السبت، 12 أكتوبر 2013

باب المغالاة _ قصة قصيرة

الشمس تشرق كأنها الجحيم
كلب ينبح كأنه مسعور
سيعضني ، سينهشني ، سيقتلني
أمرض ، ينخر الألم في جسدي
سأموت سأنتهي
نكتة مضحكة رائعة
سأموت من الضحك
يوم جميل كأنه الجنة
ورود و عصافير و شجر
خرير و حفيف و تغريد
أحبها كأنها معبودتي
صلاتي في محرابها لا تنتهي
حتماً سأنتهي
سأموت فيها عشقاً
سأموت سأنتهي
***


اليوم هو الجمعة ، حيث تلتقي الصحبة في مقهى زينهم ، ذلك المقهى الواقع على حافة القرية على شاطيء الترعة ، الكراسي البلاستيكية وصلت للقرية مؤخراً و انتهى عصرالكراسي الخشب و أقراص توت عنخ آمون ، كله بلاستيك ،
يجلس زمرة من الشباب مجتمعين حول منضدة عليها دومينو ، ينادي أحدهم على صبي المقهى ...
(( يا محمد ،،، اثنين معسل و واحدة خوخ بالنعناع ، و ثلاثة شاي نعناع أخضر سكره جنبه ، و واحد قهوة سكر زيادة ))
يقوم محمد بتشغيل التلفاز فيظهر أحد الأفلام على الشاشة ، يتأمله بتركيز شديد هذا الشاب الذي يجلس على المنضدة المجانبة لهم ، شاب يرتدي بنطلون جينز و فانلة عليها الكثير من الألوان المبهرجة ، تتشابك راحتيه بين ركبتيه ، و يحملق في الشاشة ، تصل إلى أسماعه من المنضدة المجاورة له كلمات معلقة على هذا الفيلم و على هذا الممثل بالذات
(( فيلم سيء و تمثيله سيء )) ... كأن تلك الكلمات قصمت عرف من الأعراف التي يؤمن بها ، عليه أن يدافع عنها بكل قوة و لم يتمالك نفسه و توجه بكرسيه ناحيتهم و قال (( إنه أروع ممثل في بلدنا ، حتى أنه يقوم بالمشاهد الخطيرة بنفسه و يخترع نكاته بنفسه و لو أن بلدنا في حال أفضل لحصل على الأوسكار بلا شك ، كما أن هذا الفيلم هو الأروع على الإطلاق ... لا شك في ذلك ... لا شك )) لم ينتظر إجابتهم بل عدل كرسيه ناحية الشاشة و شابك راحتيه و احتضنهما بين ركبتيه من جديد و عاود الحملقة ...
ينتهي الفيلم فيدفع الحساب و مضي ، رأس الحزام الضخمة تبرز فوق طرف فانلته المبهرجة بالألوان ، يمرجح ذراعيه كأنه يقطع أوصال الهواء ، يبرق في يديه اليمنى دبلتين من الفضة و ثلاثة خواتم ، يمضي وكأنه لا يهتم إلى أين يصل به الطريق ، فقط يقطع الطريق يدور في دائرة مغلقة ، يمر بالشارع مرة و اثنتين و لا يهتم ، ينظر له الناس باستغراب و لكنه لا يهتم ، فجأة يستوقف أحد المارة و يسأله عن الساعة فيجيبه أنها الحادية عشر ، يعلم أنه قد حان الوقت ليلتقي شبير في مدخل القرية ، يصل بعد دقائق لمكان اللقاء ...
مر الكثير من الوقت و لا أحد ، شعر بالتململ و جلس على الرصيف ينتظر و أسلم رأسه لشجرة منبثقة من بلاط الرصيف ، أخيراً يصل المتفق معه بعد طول انتظار ، يقترب منه و يناديه
(( عبده ))
(( شبير ، كل هذا الوقت ! أحضرت الأمانة ؟ ))
(( خذ ، و لكن عليك أن تدفع عشرين جنيهاً زيادة ))
(( تتأخر و تدفعني زيادة ! ))
(( إما أن تدفع أو آخذها و امشي ))
(( تمشي يا ابن الكلب ))
يخرج مطواة من جيبه و يهدد شبير (( هات يا ابن الكلب يا وسخ ))
يرمي له شبير بالكيس و يجري ، ينكفئ على الأرض و يحمل الكيس و يمضي إلى بيته ...
...
كان لازم أهدده ، كما أن تلك العصا هي الأهم في حياتي ، بها يمكنني أن أهدد الكلاب الضالة التي تحاوط منزلي كل يوم بداية من منتصف الليل بدلاً من إلقاء الطوب عليها ، و في المرة القادمة أول ما تتوافر لدي نقود كافية سأشتري صاعق كهربائي ، و ربما مسدس مقروط و أقتل تلك الحيوانات المزعجة ...
...
يصل إلى بيته و يفتح الكمبيوتر ، يفتح صفحة الفيسبوك و يصور نفسه مع العصا و المطواة مرتدياً نظارة الشمس ، و يرفع الصورة على صفحته الشخصية تحت اسم ( عبده البرنس )
...
يفتح قائمة الأصدقاء المقترحين ، يشاهد أجمل الفتيات الظاهرات على الشاشة ، يختار ضحية اليوم التي سيلاحقها ، يرسل لها طلب إضافة و رسالة خاصة (( أنت جميلة جداً ، ردي عليّ ))
...
تمضي ساعة و لا ترد فيرسل رسالة جديدة (( أنا أول ما رأيتك ذبت في جمالك ، يا ساحرة ، يا ملاك ، ردي ))
...
يتململ فيتناول بعض الحبوب مع كوب من الماء و يشرب سيجارة من الحشيش
...
تمضي نصف ساعة فيأتيه رد (( هههههههههههه ، أنت مضحك جداً ))
(( أنتِ جميلة عرض السما و الأرض ، قمر و الأرض بدونك ما تعيش ))
(( ههههههههههه ))
(( صورتك جميلة جداً جداً ))
(( أنت صورتك خطيرة هههههههه ))
(( طول عمري خطير ، عرفيني بنفسك ))
...
تمضي ساعة و لا رد ، شعر أنها قد أحبته من صورته ، فهو يشبه هذا الممثل الخطير ، الذي يفوز دوماً بالجميلات و النقود و السلاح و المخدرات و القوة و البطش ، خطير هو ، حتى الحزام الذي يرتديه هو هو ...
تنتابه قشعريرة مفاجئة و يبدأ في العطس بقوة ، لم يستطع التوقف عن العطس لمدة دقيقة كاملة ، شعر أن جسمه يبرد ، غطى نفسه بكل الأغطية الموجودة ، يلتحفهم التحافاً ، و لكن لا نتيجة تذكر ، يمضي في التفكير ...
...
أنا مريض ، إنها النهاية ، يبدو أن هذا المرض سيقتلني ، هل سأفقد القدرة على المشي ، هل يجب أن أتأكد و أحرك ساقي ، ماذا لو لم تتحرك ، لا لا لن أجرب ، أشعر أنني بالكاد أتنفس و قلب يرتعد داخل صدري ، جسمي يترجرج كأني كلب ينفض عن نفسه المطر ، حتماً سأموت ، حتماً ...
يقرر أخيراً أن يحرك قدميه و لكنه لم يكد يبدأ في المحاولة حتى فقد الوعي ...
يستيقظ في اليوم التالي يشعر بصداع يتملك من رأسه و يمتد وجعه حول عينيه ، بالكاد يستطيع أن ينظر لضوء الشمس ، يفتح الفيسبوك فيجد رسالة منها أرسلت منذ دقيقتين ، يرد ، يتعارفان ، يتصارحان بأشياء وهمية ، فهو يقطن في مدينة و غني و متعلم ، هي كذلك تقطن في العاصمة و متعلمة و غنية ، يطلب منها أن تفتح الكاميرا ، تتردد ، يعاود الطلب ، تتدلل ، يلح في الطلب ، تستجيب ، تكشف عن نصف نهديها و تتراقص قليلاً ، ، تتشابك راحتيه و يحتضنهما بركبتيه ، و يحملق في الشاشة ، (( أحبك )) ... (( بهذه السرعة ؟! )) ... (( أحبك جداً جداً جداً ، أنت الأروع على الإطلاق ، أنت ...... ))


تمـــــــت
                                                                                                                        بقلم \ أنس القلا 

من مجموعة باب اللوم

لمتابعتي على الفيسبوك



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق