السبت، 12 أكتوبر 2013

باب التبلُّد _ قصة قصيرة




يصبو الجميع للكمال 
العجلة من الأمر
مصوغة للحمّال
أما لي فشيء محال
البيض سيفقس في موعده
و ستطير الحمامات بعد البلوغ
لن يفوتني أي قطار
فبحر حياتي أمواجه راكدة
يمر العمر رويداً رويداً 
فلم السباق 
لا تكدروا وجودي 
لا تغضبوا 
لا تصيحوا 
لا تثيروا أمواج بحري
فبحري قابع يريد السلام
أما التعجل رفضه الغلام
فمتى يكون المرح
ومتى يكون السلام 
أريد رضاكم
أريد الثقة 
و لكن سبي أمر عظيم
و لن يفيد الضجر 
هذا أنا 
و ما غيري يجول
هذا أنا
بحري ساكن الأصول
هذا أنا 
لا عجلة عندي 
إنما فقط السكون 


***


(( جدك تعبان و راقد في سريره منذ أسبوع ))
هكذا قالت له أمه و لكن لم ترتسم على وجهه أي تعابير تغير من قسمات وجهه و تعبر عن رد فعله على هذا الخبر !
(( المفروض تروح تزوره ))
(( ربنا يسهل ))
...
ثم تتركه و تمضي ، يعاود النظر في شاشة كمبيوتره المحمول و يضع السماعة على أذنيه و يندمج في عالمه الخاص من جديد ، تدق طبول الأغاني في أذنه ، و يفكر ، ما السبب الذي يجعله يرفض الذهاب إلى جده طوال شهور ، لا يدري و لكنه يعلم أن هناك سبب قوي ، ليس بسيط كأن يقول (( لا مزاج يسمح بالزيارة )) لكنها إجابة معقدة ، إجابة تختلط فيها الذكريات مع بعض المنطق مع بعض الفلسفة الخاصة به وحده ، يأتي على خاطره أن عيادة المرضى ذو فضل عظيم في الإسلام و لكن ما الذي يجبره على أن يفعل ؟! إن جده كهل و آخر مرة رآه فيها كان قد انكمش لنصف حجمه ، كأن شبح ما امتص نفس جسده و تركه على هذا الحال ، حتى حركته أصبحت بطيئة ، و كلماته أبطأ ، لكنه ليس أسوأ حالاً من جدي الذي توفى منذ سنوات ، لقد رأيته بعنييّ يدرك أنه يركض نحو الموت و لا يزيده ذلك سوى إيماناً ، يصر على الوضوء و الصلاة رغم أن جسده لا يتحمل بروة المياه و لا الركوع و السجود ، ومع ذلك يصلي رافضاً الجلوس ، لم أستطع أن أساعده ، فارقني و انتقل إلى العدم ، لم تستطع شفقتي أن تخفف عنه و لم تستطع دموعي أن تزيد عمره أو تقتل الخلايا السرطانية في جسده ، فماذا تفيد عيادة المرضى و هي لا تزيدهم سوى الحاجة إلى تصنع الإنتباه للزوار و مراجعة نظافة الثياب و محاولة التحكم في الأمعاء كي لا يخرج الفساء في وجودهم ، يحاول ألا يكح أو يتأوه ، يحاول أن يبتسم و أن يرد على كل الأسئلة ، فما فائدة أن تعود مريضاً سوى أن تزيد معاناته و ألمه ، كما أنني أرفض أن تحركني الشفقة كما أرفض أن يحركني الخوف في علاقتي مع الله ، وحده الحب هو الذي يقودني و أنا موقن أشد اليقين أن حبي لجدي قد تآكل ، حاولت أن أجد سبباً يجمعنا على حب قوي و لكن لا أجد ، أنا مجرد أيقونة يريد أن يضيفها إلى صحيفة أمجاده الفارغة ، حفيدي أصبح مشهور أو جميل أو معروف أو ناجح ، مجرد مدعاة للتفاخر بين الناس ، أتذكر جيداً حينما فشلت و لجاجه العظيم في حثي على النجاح و لومي المتكرر و خصامي له عدة مرات و خروجي عن هدوئي المعتاد لأوقفه عن هذا الصخب ، لو كنت ضعيف العقل و أشتغل عامل في أي مصنع ما كان ليرهقني بلومه و إلحاحه ، ما كان ليفكر في الحديث عني بين الآخرين و ما كنت لأكون تميمة حظه أو سعادته أو فخره ، ربما لو كنت قبيحاً ما كان ليحب أن يجالسني و يتحدث معي ، منذ سنوات أصبح الجلوس معه هو أن يوليني ظهره و يقرأ جريدته و يشاهد التلفاز و أخيراً يغرق في صفحات الإنترنت ، و كأن زيارتي التي تبلغ من العمر ساعة أو ساعتين غير  منتظرة ، علي أن أفوز منها فقط بتلك الأكواب و الأطباق التي تحشرها جدتي في بطني حشراً ، نعم فقدت صلتي به ، ذلك الرابط الذي ندعوه حب مطلق و حب صريح نعلمه و لا نصفه ، تلاشى مع كل تلك السنوات ، تلاشى كأنه لم يكن ، هذا سبب عدم زيارتي له ، هذا سبب التناسي للسؤال عنه ...
(( قوم ذاكر ))
(( حاضر ))
و لكني لن أقوم ..
تمر ساعات
(( ذاكرت ))
مممم مع تنهيدة بسيطة
(( نعم ، ذاكرت ))
(( أفق و رتب حجرتك ))
(( ربنا يسهل ))
...
(( سأذهب لفرج غداً ، ترافقني ؟ ))
(( لا ، مشغول جداً ))
(( مشغول في إيه ؟ ))
(( حاجات كثيرة ))
...
في اليوم التالي بعد منتصف الليل ، تأخرت أمه ، يفكر ربما يكون قد حدث لها شيء ، ثم تعاوده الردود ، الأفراح تتأخر عادة ، لا داعي للقلق ، ينظر للهاتف ، يمسك به ، يخرج رقم تليفونها ، ينظر لإختيار الإتصال ، يتراجع ، يغلق الهاتف و يعود لجسلته ، يغرق في شاشة كمبيوتره المحمول و يضع السماعة على أذنيه و يختفي في طبول أغانيه المفضلة ، ينتهي نحو الأفق ، و لا يفكر في شيء ...


تمــــــــــــــــــت
                                                                                                                      بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم 

لمتابعتي على الفيسبوك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق