إن رأتني عيونكم كالنجم في السما
و حاربت بريقي ذكريات من الصبا
لا أدري متى سأنتهي
فطار و غداء و عشا
نوم و إفاقة
إفاقة و نوم
دائرتي لا تنتهي
متى سأنتهي!
متى!
***
و حاربت بريقي ذكريات من الصبا
لا أدري متى سأنتهي
فطار و غداء و عشا
نوم و إفاقة
إفاقة و نوم
دائرتي لا تنتهي
متى سأنتهي!
متى!
***
انتهى من عشائه مع زوجته و أولاده و توجه على
غير العادة إلى غرفة نومه و استسلم للفراش ، فلقد شعر بتخمة هرقت أنفاسه و شعر
كأنه يحمل جبلاً في بطنه فليرح ظهره على فراشه و يفسح الطريق لهذا الطعام كي يجد
مساره الخاص ، يحرك راحتي يديه الضخمتين على كرشه الكبير و كأنه يقيس حجمه ، يبدأ
في التطبيل على كرشه كأنه يخاطب هذا الطعام المدس داخل أحشائه ، جد مسارك أيها
اللذيذ الجميل المرهق ، أضف قليلاً إلى كرشي ، فالرجال لا تعيبهم الكروش ، يرخي
رأسه و يذعن لوسادته فتموج أفكاره و الأدعى تسميتها بكوابيس اليقظة ، فذلك الحمل
الثقيل على بطنه لن يرأف بعقله و لن يفسح لذكرى عطور الورد الطريق لتعبر عن فوحها
، يفكر في يومه ، يتذكر ذلك الفزع الذي يذعره المنبه كل يوم ، جزع جزع جزع ، كل
يوم يفيق من نومته سائب الركب و لا يمتلك روحه ، كأنه يتشبث بها مهابة الموت ، يجر
قدميه نحو السفرة ، يجلس و يبدأ في تناول الإفطار ، يشتهي دوماً الزيتون الأخضر
المخلل مع الفول المدمس و المقدوح بالزبد ، و تجب التحلية بالمفتأة أو بعجوة البلح
المسخنة في معلقة أخرى من الزبد ، فتنتفخ أوداجه و تحمر خدوده بحمرة الدفء ، و
عندما يشعر أن صهداً ينبثق من جسده يدرك أنها لحظة النهوض و إرتداء جلبابه الصعيدي
، و ينتظر في الشرفة ريثما تأتيه زوجته بكوب الشاي الثقيل ، يتأكد عادة من دكنته
قبل أن يرتشف رشفته الأولى ليتأكد من السكر ، خمس ملاعق كافية لشعوره بأنه يتناول
شيء مسكر ، يشرب كوب الشاي بارداً فهو يريد أن يشعر بتلك القشعريرة التي تنتابه مع
مرارة الشاي البارد ، فيتفتح جفناه معلنين جحوظ عينيه لإستقبال يوم جديد ، ينتهي
من كوب الشاي فيترك الكوب على الصينية و يخرج السواك من جيبه و يبدأ في نشر أسنانه
، و يعض على عواد السواك كأنه يتناول سيجارة و ينظر إلى زوجته دون أن يفتح فمه
معلناً أمره بأن تأتيه بحذائه الجلدي ، لحظات و يخرج من البيت متجهاً لمحله الصغير
الكائن أول الشارع يحيا بزحام عمال البناء حوله لا يدري راحة منهم إلا بحلول منتصف
الليل ، يفتح دكانه أحد العمال طالباً بفعله أن يكون أول من يوليه بعمل ذلك الصباح
فيكون أولهم إنتهاءاً و أولهم طرباً بيوميته ، يجلس على كرسي أمام دكانه و ماهي
إلا لحظات و يأتيه الشاي و بعض الساندوتشات التي يسلي فيها نفسه حتى صلاة الظهر ،
قد امتنع في شبابه عن شرب الدخان و الشيشة و الآن يجد نفسه يتناول كوبين من الشاي
و يفطر مرتين في خلال ساعة واحدة ، لم يدرك أن هذا يحمل له الضرر قبل سنتين عندما
قض نومه ذلك الألم في سرة بطنه يمتد في أيمن بطنه حتى كادت تنفجر ، لولا صراخه
الذي أضاع هيبته في المنطقة لكان في غير حال عن الآن ، يمسك بإفطاره الثاني و يبدا
في التهامه ، مع كل قضمة يقول " عمري يضيع ، كان نفسي أتعلم ، كان نفسي أعيش
أمام البحر ،كان نفسي أشوف الكعبة ، كان نفسي أزور عمي ، كان نفسي أتزوج بنته ،
كان نفسي .... " فينتهي الطعام فجأة
و لم تنته ذكرياته الضائعة ، فينادي على أحد العمال أن يأتيه بكوزين من الذرة
المشوي ، و يبدأ في نحت مطر الذرة حتى يفينيها عن بكرة أبيها ، مع كل حبات الذرة
التي مضغها تتحطم أمانيه الضائعة ، و لكنها تعاود التجمع و التوحد و الثورة عليه ،
فيعد لمحاربتها وجبة أخرى بين البسكويت و القرص و لولا رجولته التي تشع من شاربه
الأسود لتناول غزل البنات بلا إستحياء من العمال الجالسين حوله ، يترك دكانه
تاركاً فيه أحد العمال و يعود إلى بيته ، لحظات و يكون الغداء جاهز على السفرة ،
يجلس فيجلس أولاده و زوجته ، يتناول أول ملعقة من الطعام و يأخذ نصيبه من اللحم و
الخضار ، ثم يبدأون ، يهمس أحد أبنائه للآخر فيزجره بنظرة توقف الطعام في حلقه حتى
كاد أن يختنق و لم ينقذه سوى شربة ماء ، يتذوق الخضار فيزعق بصوت عالي أجش في
زوجته " آسفة ، أصل كنت صائمة " ... " لا صوم إلا بإذن مني "
ينتهي يومه بتلك التخمة التي تثقل جسده و جفنيه ، يتجه صوب سريره و يفكر في حياته !!!
" أين أنا ؟! "
مات أخوي و أبوي و أمي و لم أمت ! ، لماذا لم أمت ؟! لماذا لم تتحقق كل أمانيّ ؟! يومي كسابقه كالسنة السابقة كالغد كالسنة القادمة ، لماذا لا أموت اليوم ، لن أغير شيء ، لم أصبح الحاج سيد ، ولم أصبح الأستاذ سيد ، و لم أكن يوماً زوج فريدة ، لم أستطع أن أدخل بيت عمي بعد أن قطع له أبي سبابة يده اليمنى ، لم أحفظ القرآن و لم ألمس الحجر الأسود ، لم أسكن في الإسكندرية على البحر ، فالبحر غالي غلواء الماس ، و أنى لي ، ماذا يمكن لمعلم سيد أن يفعل سوى أن يستيقظ كل يوم و يجلس أمام دكانه و يرد على الهاتف و يوزع العمال و يصرف هذا و يأتي بهذا ، يوزع اليوميات على العمال و يعود إلى بيته ، ماذا يمكن لي أن أفعل ! لا جديد يمكن أن أفعله ولا شيء معجز يمكن أن تشق صخرة القدر عنه ، لا جديد ، ماذا يمكن لعم سيد سوى أن يحشر فاهه بغصص الطعام ؟ ماذا يمكن لعم سيد سوى الأكل أو الموت ؟!
...
يعتدل في جلسته و يبدأ في التطبيل على كرشه الضخم و ينادي بأعلى صوت على زوجته
" الشاي يا ولية " ....
تمـــــــت
ينتهي يومه بتلك التخمة التي تثقل جسده و جفنيه ، يتجه صوب سريره و يفكر في حياته !!!
" أين أنا ؟! "
مات أخوي و أبوي و أمي و لم أمت ! ، لماذا لم أمت ؟! لماذا لم تتحقق كل أمانيّ ؟! يومي كسابقه كالسنة السابقة كالغد كالسنة القادمة ، لماذا لا أموت اليوم ، لن أغير شيء ، لم أصبح الحاج سيد ، ولم أصبح الأستاذ سيد ، و لم أكن يوماً زوج فريدة ، لم أستطع أن أدخل بيت عمي بعد أن قطع له أبي سبابة يده اليمنى ، لم أحفظ القرآن و لم ألمس الحجر الأسود ، لم أسكن في الإسكندرية على البحر ، فالبحر غالي غلواء الماس ، و أنى لي ، ماذا يمكن لمعلم سيد أن يفعل سوى أن يستيقظ كل يوم و يجلس أمام دكانه و يرد على الهاتف و يوزع العمال و يصرف هذا و يأتي بهذا ، يوزع اليوميات على العمال و يعود إلى بيته ، ماذا يمكن لي أن أفعل ! لا جديد يمكن أن أفعله ولا شيء معجز يمكن أن تشق صخرة القدر عنه ، لا جديد ، ماذا يمكن لعم سيد سوى أن يحشر فاهه بغصص الطعام ؟ ماذا يمكن لعم سيد سوى الأكل أو الموت ؟!
...
يعتدل في جلسته و يبدأ في التطبيل على كرشه الضخم و ينادي بأعلى صوت على زوجته
" الشاي يا ولية " ....
تمـــــــت
بقلم \ أنس القلا
من مجموعة باب اللوم
لمتابعتي على الفيسبوك
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق