السبت، 8 فبراير 2014

ضربة على الرأس _ قصة قصيرة



"ملحوظة " كسلت أعمل نسخة عامية 

ضربة على الرأس 
ضربة بين قدميه 
صفعة على وجهه الذي لم يمسه أحد منذ وفاة أبيه 
صفعة على قفاه الذي لم يمسه أحد قبل اليوم 
...
" إجري يا محسن ، يظهر أن هذا الرجل من المنطقة "
" يا أولاد الكلاب ... أستاذ ماضي ... أستاذ ماضي " 
صفعة على وجهه لا تفي بإيقاظه ... صفعة أخرى اهتزت لها رموش جفنيه ... صفعة ثالثة أظهرت بياض عينيه 
" أستاذ ماضي ... أنت بخير ؟ ماذا حدث ؟ سرقوك ؟ "
" الورقة ... الورقة " 
كورقة منسية على الأرض ظهر أستاذ ماضي ، ملطخ وجهه بدم رأسه الذي لا يتوقف ، يقف فوق رأسه محمود سنان السكاكين ، يشير ماضي إلى جيب المعطف ، فينكفئ عليه محمود مفتشاً في جيب معطفه عن الورقة .
" تقصد تلك الورقة يا أستاذ ماضي ؟ " 
" لا تقرأها " 
" أنا أمُيِ يا أستاذ ماضي ، لا أعلم زيد من عبيد " 
" لا يمنع ... لا تفتح الورقة " 
...
" غريبة ! تأخر على غير العادة ... اجعل العواقب سليمة يا رب " 
" مساء الخير يا ست تفيدة " 
" مساء الخير يا حميدة " 
" أخبارك ؟ " 
" نحمده و نشكر فضله . و أنتِ ؟ "
" بخير" 
" عندك وقت نقعد و نشرب شاي ؟ "
" منتظرة أستاذ ماضي "
تبتسم لها حميدة بنظرة خبيثة و تعض على شفتيها 
حميدة " أستاذ ماضي "
تفيدة " ما به ؟! " 
حميدة " وصل ، على أول الشارع " 
دلفت تفيدة لشفتها و أغلقت الشرفة و تركت حميدة دون سلام 
" حِكَم !!! " 
حميدة " نورت يا أستاذ ماضي " 
ماضي " نورك يا ست حميدة " 
حميدة ضاحكة ضحكة مفعمة بالأنوثة " و النبي أنت منور " 
حميدة " سلامة رأسك ، ماذا حدث ؟ "
ماضي " لا شيء ، حادثة " 
حميدة " ألف سلامة ، عندي قطن و شاش ، سأحضرهم لك "
ماضي " لا لزوم لذلك ، أنا بخير ... شكراً على تعبك " 
حميدة " تعب ! هو أستاذ ماضي واحد فقط لا غير " 
تنتفخ أوداجه و يحمر وجهه و يجري لداخل البيت 
يعلم أنه مقدم على موقف صعب ، سينتهي من تفيدة بورقة واحدة و يفوز بما تبقى من حياته في أحضان زوجته ، أخيراً أصابت الوصفة و حبلت منه ، عشرة أعوام من الصبر ، و خمس من الكذب و الخيانة ، و حان وقت الشكر ، وما شيء يبرئه من ذنبه غير تلك الورقة ، قد تقتله تفيدة ، و قد تموت تفيدة من الصدمة أو تنتحر ، لا يهم ، الأهم أن اسمه سيحمله طفله من بعده ، حتى لو بنت ، فبعد القحط أي غيث لا يضير ، يتلوا المعوذتين و يستعيذ بالحي القيوم أن يستره و أن يبعد همزات الشياطين عنه في تلك اللحظة إلى يوم الدين .
...
تفيدة تدور في الحجرة ، تمسح كرسي ، تكنس سجادة ، تمسح نفس الكرسي ، تكنس نفس السجادة ، تعيد كي جلبابه المكوي ، تسخن الطعام الدافئ حتى لا يبرد ، تضع أحمر الشفاه و تعيد رسم حاجبيها و تتعطر بشذى الفل ، تتذكر بخور الصنوبر الذي يحبه ، تجري فتشعله عوداً في كل حجرة ، صوت خطواته يرتفع ، قهقهته المعتادة حين يقترب من الباب ، صوت مفاتيحه باحثاً عن مفتاح سعادته ، يفتح جنته الخاصة ، حيث الإنتشاء ، تتوقف عن كل شيء و تعدو نحوه ، تنسى كل أحزانها و تترك للضحكة طريقاً جلياً لا يخطيء ... على غير عادته لم يقبل رأسها و لم يناديها توت توت 
سلام بلا أحضان ، صدمتها الضمادة على رأسه ، أمسكت بيديه ، أسندته حتى الفراش .
ترقرقت الدمعات ، بدأ النحيب 
" لماذا تبكين ؟! " 
" أتسأل سيدة لا أحد لديها غيرك في الدنيا . لماذا تبكين ؟! "
" سليمة .. لم أمت " 
" ربنا يبعد الشر عنك " 
...
حائر بين الخلاص و الإشفاق ، هناك حاجز غير مرئي يمنعه ، تلك الطاقة التي تعترف بالحب ، كأنها تقذفه بكل ما تحمل جعبتها من ورود خالصة ندية ، دموعها التي ملأت وجهها ، نظرة الحنو التي تحيطه ، نظرة العشق التي تلتهمه ..
" أجهز لك الحمام ؟ "
" لا ، أحتاج الراحة "
" أجهز لك الأكل ؟ "
" جهزيه "
...
أستاذ ماضي . ظهر فأصبح ماضي . حفر نفسه في ذاكرة تفيدة . مخلصاً إياها من الهم و الشماتة و الأسى ، تفيدة اليتيمة الوحيدة العانس الفقيرة أيضاً ، بكل شجاعة تحملت تلك الكلمات ، و لكن الشجاعة لا تكفي العوام وسط المحيط ، لا بد للصبر أن ينفذ ولا بد للحزن أن يسود و لا بد للعمر أن ينقضي ، في حياتها كان ترقب عمرها الذي ينفذ ، شعر رأسها الذي تتخلله شعيرات بيضاء على مهل ، تتذكر الأولى و الثانية و الثالثة و الأخيرة ، قسمات وجهها ذو ملمس الخوخ قديماً و خرقة قديمة حديثاً ، وجهها المشرق قديماً و وجهها المشرق بالبودرة البيضاء ، أسنانها البيضاء و ابتسامتها الناقصة بظلمة فراغ أسنانها المخلوعة ، تلعن الفقر كل يوم و تلعن وجودها كل لحظة ، حتى جاء على غير قصد ، كإشراقة شمس لم تشرق من قبل ، كنبي هدى الكون تسبيحاً و لم يقاوم سحر كلماته إنس و لا جان ، وقعت في محرابه ، هربت إلى قدسيته العصماء ، و ما كان لديها خيار ، سوى الخيار الأوحد ، أن تستجيب لفحولته و تذيب جبال الأسى التي لازمتها حياتها ، تشعر كأنها ولدت بين يديه ، تنسى في قربه كل شيء إلا دفء أحضانه ، تهيم عشقاً في لحظاتها معه طوال الأسبوع حتى يطل عليها في يوم عيدها ، يوم السبت فلا تدري زوجته و لا يدري أحد بزواجهما ، سوى حميدة التي دست أنفها فما كان منها إلا أن تريها ورقة الزواج ، فشر الفضيحة ما كان ينقصها ، تلك السيدة التي حاولت أن تغويه و لكنه اختار تفيدة ، المطلقات أكثر حظاً من العوانس ، طالما رددتها تفيدة حتى قابلت ماضي فاندثرت مقولتها بين الذكريات المطوية ...
...
جهزت الطعام و انتظرت حتى جلس على كرسيه ثم جلست ، دست طبقه بالطعام ، لا يهم إن لم يأكله كله و لكن الأهم أن يدرك أنها تحبه أكثر من نفسها ، لو فكر للحظة و قارن بين طبقها و طبقه ، اليوم هي في أقصى حالاتها حرماناً منه ، فهو لم يزرها الأسبوع الفائت ، تعود إلى المطبخ ، تغسل يديها ، تفك أزرار فستانها ، تكشف عن مطلع نهديها ، تكشف عن كتفيها ، ترطب شفتيها بأحمر الشفاه مرة أخرى ، ثم تعود إليه ، تجلس على الكرسي ، تستند بجسدها على المنضدة ، تستعرض بقايا أنوثتها ، تتأمل فيه و هو يأكل ، و يتحاشى النظر إلى عينيها ، تداعبه فيمتنع ، تحدثه فيتحجج بالتعب ، ينتهي من طعامه و يذهب إلى حجرته في نية خالصة أن يرتدي ملابسه التي أتى بها و يترك لها الورقة ثم يمضي ، دخلت عليه الحجرة حاملة عصير الليمون الذي يحب ، فارتوى ، أغلقت باب الحجرة و هو يقرأ تلك الورقة ، هو يعلم أنها لا تقرأ ، تسأله عن الورقة فلا يرد ، تعاود سؤاله فيمتنع عن الرد ، شاخص البصر و مجمد الجسد ، كأنه يبحث عن شيء تائه في سطورها ، تركته مشغولاً بفك رموز ورقته ، تعرت و لفت خصرها البض بمنديل مذهب ، تعلم أنه يحب أن ترقص له عارية ، تقترب منه و تجذب منه الورقة و تقتل فيه كل ماضيها و تلتهمه بعشقها و صبابتها التي غالبتها طوال أسبوعين مضيا ، لم يقاوم و استسلم ، بل استسلم حتى الإنتشاء ، أمسك بجسدها كأنه المحروم منها ، كأنه لم يمسها من قبل و طالما أرادها ، قتل فيها أساه و قتلت فيه الأسى ، خلى العشق بينهما و بين الحزن لليلة أخرى ، أرهقهما الحب فذابا في نوم المحبين ...
استيقظ في الصباح ، ارتدى ملابسه ، قبلها ، ثم مضى 
...
استيقظت بعده ، تبحث عنه كعادتها في كل أسبوع منذ خمسة أعوام ، عله يمنحها يوم آخر من السعادة ، عله يستجيب لجسدها العاري المشتاق ، و دوماً لا تعثر عليه ، و تعود إلى فراشها بخيبة الأمل ، طال الرجى و ما نالت و ما امتنعت ،
تعثر على الورقة بين ثنايا الأغطية ، تتركها على المنضدة ، حائرة بين الإنتظار أسبوع آخر فتسأل ماضي عما تحتويه أو تسأل حميدة عنها فهي تقرأ لها دوماً ما تحتويه أوراقها ، تمتنع فقط خشية غضب زوجها فآثرت الإنتظار .
...
يفتش في جيبه عن الورقة فلا يجدها 
تختلجه الحيرة ، أيمضي بذنبه أم يعود لها و يقطع الورقة و كأن شيئاً لم يكن ! 
كان الهروب سبيله الأيسر ، فغاب عنها أسبوع و أثنين و ثلاثة و أربعة ، تذبل و تذبل روحها 
تتذكر الورقة ، تنادي على حميدة كي تقرأ عليها ما فيها ، تأتي لها بعد طول انتظار كعادتها ، تنظر للورقة قليلاً ثم تقول 
" إنها ورقة طلاقك " 
" طلاق السيد ماضي محمود السعيد من السيدة تفيدة أحمد الخليل "
تفيدة " ورقة طلاقي ؟! " 
حميدة " الرجل الناقص "
تحتضنها و تعزيها ببعض الكلمات المعتادة ، و كأنها ترحب بها كعضوة جديدة في قطاع المطلقات ، و الأخرى لا تدري ماذا يمكنها أن تفعل مع الماضي الذي قد عاد بصبغة جديدة لم يتغير فيها سوى كلمة عانس ! 
تبكي على ماضي الذي مضى و التي لا تعلم سبب غير أنها منحته كل ما تستطيع راضية غير آبية و كأن الماضي لا يموت .

بقلم أنس القلّا
للمتابعة على الفيسبوك 

السبت، 12 أكتوبر 2013

باب التبلُّد _ قصة قصيرة




يصبو الجميع للكمال 
العجلة من الأمر
مصوغة للحمّال
أما لي فشيء محال
البيض سيفقس في موعده
و ستطير الحمامات بعد البلوغ
لن يفوتني أي قطار
فبحر حياتي أمواجه راكدة
يمر العمر رويداً رويداً 
فلم السباق 
لا تكدروا وجودي 
لا تغضبوا 
لا تصيحوا 
لا تثيروا أمواج بحري
فبحري قابع يريد السلام
أما التعجل رفضه الغلام
فمتى يكون المرح
ومتى يكون السلام 
أريد رضاكم
أريد الثقة 
و لكن سبي أمر عظيم
و لن يفيد الضجر 
هذا أنا 
و ما غيري يجول
هذا أنا
بحري ساكن الأصول
هذا أنا 
لا عجلة عندي 
إنما فقط السكون 


***


(( جدك تعبان و راقد في سريره منذ أسبوع ))
هكذا قالت له أمه و لكن لم ترتسم على وجهه أي تعابير تغير من قسمات وجهه و تعبر عن رد فعله على هذا الخبر !
(( المفروض تروح تزوره ))
(( ربنا يسهل ))
...
ثم تتركه و تمضي ، يعاود النظر في شاشة كمبيوتره المحمول و يضع السماعة على أذنيه و يندمج في عالمه الخاص من جديد ، تدق طبول الأغاني في أذنه ، و يفكر ، ما السبب الذي يجعله يرفض الذهاب إلى جده طوال شهور ، لا يدري و لكنه يعلم أن هناك سبب قوي ، ليس بسيط كأن يقول (( لا مزاج يسمح بالزيارة )) لكنها إجابة معقدة ، إجابة تختلط فيها الذكريات مع بعض المنطق مع بعض الفلسفة الخاصة به وحده ، يأتي على خاطره أن عيادة المرضى ذو فضل عظيم في الإسلام و لكن ما الذي يجبره على أن يفعل ؟! إن جده كهل و آخر مرة رآه فيها كان قد انكمش لنصف حجمه ، كأن شبح ما امتص نفس جسده و تركه على هذا الحال ، حتى حركته أصبحت بطيئة ، و كلماته أبطأ ، لكنه ليس أسوأ حالاً من جدي الذي توفى منذ سنوات ، لقد رأيته بعنييّ يدرك أنه يركض نحو الموت و لا يزيده ذلك سوى إيماناً ، يصر على الوضوء و الصلاة رغم أن جسده لا يتحمل بروة المياه و لا الركوع و السجود ، ومع ذلك يصلي رافضاً الجلوس ، لم أستطع أن أساعده ، فارقني و انتقل إلى العدم ، لم تستطع شفقتي أن تخفف عنه و لم تستطع دموعي أن تزيد عمره أو تقتل الخلايا السرطانية في جسده ، فماذا تفيد عيادة المرضى و هي لا تزيدهم سوى الحاجة إلى تصنع الإنتباه للزوار و مراجعة نظافة الثياب و محاولة التحكم في الأمعاء كي لا يخرج الفساء في وجودهم ، يحاول ألا يكح أو يتأوه ، يحاول أن يبتسم و أن يرد على كل الأسئلة ، فما فائدة أن تعود مريضاً سوى أن تزيد معاناته و ألمه ، كما أنني أرفض أن تحركني الشفقة كما أرفض أن يحركني الخوف في علاقتي مع الله ، وحده الحب هو الذي يقودني و أنا موقن أشد اليقين أن حبي لجدي قد تآكل ، حاولت أن أجد سبباً يجمعنا على حب قوي و لكن لا أجد ، أنا مجرد أيقونة يريد أن يضيفها إلى صحيفة أمجاده الفارغة ، حفيدي أصبح مشهور أو جميل أو معروف أو ناجح ، مجرد مدعاة للتفاخر بين الناس ، أتذكر جيداً حينما فشلت و لجاجه العظيم في حثي على النجاح و لومي المتكرر و خصامي له عدة مرات و خروجي عن هدوئي المعتاد لأوقفه عن هذا الصخب ، لو كنت ضعيف العقل و أشتغل عامل في أي مصنع ما كان ليرهقني بلومه و إلحاحه ، ما كان ليفكر في الحديث عني بين الآخرين و ما كنت لأكون تميمة حظه أو سعادته أو فخره ، ربما لو كنت قبيحاً ما كان ليحب أن يجالسني و يتحدث معي ، منذ سنوات أصبح الجلوس معه هو أن يوليني ظهره و يقرأ جريدته و يشاهد التلفاز و أخيراً يغرق في صفحات الإنترنت ، و كأن زيارتي التي تبلغ من العمر ساعة أو ساعتين غير  منتظرة ، علي أن أفوز منها فقط بتلك الأكواب و الأطباق التي تحشرها جدتي في بطني حشراً ، نعم فقدت صلتي به ، ذلك الرابط الذي ندعوه حب مطلق و حب صريح نعلمه و لا نصفه ، تلاشى مع كل تلك السنوات ، تلاشى كأنه لم يكن ، هذا سبب عدم زيارتي له ، هذا سبب التناسي للسؤال عنه ...
(( قوم ذاكر ))
(( حاضر ))
و لكني لن أقوم ..
تمر ساعات
(( ذاكرت ))
مممم مع تنهيدة بسيطة
(( نعم ، ذاكرت ))
(( أفق و رتب حجرتك ))
(( ربنا يسهل ))
...
(( سأذهب لفرج غداً ، ترافقني ؟ ))
(( لا ، مشغول جداً ))
(( مشغول في إيه ؟ ))
(( حاجات كثيرة ))
...
في اليوم التالي بعد منتصف الليل ، تأخرت أمه ، يفكر ربما يكون قد حدث لها شيء ، ثم تعاوده الردود ، الأفراح تتأخر عادة ، لا داعي للقلق ، ينظر للهاتف ، يمسك به ، يخرج رقم تليفونها ، ينظر لإختيار الإتصال ، يتراجع ، يغلق الهاتف و يعود لجسلته ، يغرق في شاشة كمبيوتره المحمول و يضع السماعة على أذنيه و يختفي في طبول أغانيه المفضلة ، ينتهي نحو الأفق ، و لا يفكر في شيء ...


تمــــــــــــــــــت
                                                                                                                      بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم 

لمتابعتي على الفيسبوك

باب السذاجة _ قصة قصيرة


أزرع حب
أجني حب
لكل كره
أرمي حب
الطيبة فطرة
نية حلوة
الدنيا ربيع
ورد ورد
النحل لا يلدغ
النحل يعني عسل
سليم النية
الكراهية فوق الإحتمال
دموعي تنزل لكل ضعيف
القوي محتاج الشفقة
لو حتى السكين في ظهري نفذ
لو حتى الخيانة مقصودة
معذور صاحبها
محتاج شفقة و حب
كرهه عقاب فوق الإحتمال
كرهه طلب مستحيل محال
إنتقامي عجز
و سلامة النية إنتصار
فليعم السلام
ضحكة بلهاء
سلام
ضربة هزء في الظهر
ضحكة بلهاء
في بهاء
فليعم السلام
***


(( عماد ... سلفني عشرة جنيهات ))
(( ليس معي سوى خمسة جنيهات ، تأخذهم ؟ ))
يشد ورقة الخمس جنيهات من يد عماد و يمضي ، تاركاً إياه جالساً على كرسيه في حجرة العمال في مدرسة الشهيد الثانوية بنات ، منكفئ على فخذيه سانداً ذراعيه عليهما ناظراً لراحتيه المتشققتين ، يشعر بألمهما و لكنه لا يملك أن يشتري بعض من الفازلين ليسدا تلك الشقوق التي تسيل دم في بعض الأحيان ، يعلم أن زميله لن يسدد له الخمسة جنيهات كالمرات السابقة ، فتقريباً يأخذ منه خمسين جنيهاً كل شهر و لا يسأله أن يردهم ، فقد يكون في حاجة إلى تلك النقود و لا يملك سدادها ، و الإحراج ليس من عادته ، فليأخذ ما يشاء ، فخير يحصده خير ، و حب يحصده حب ، و العوض على الله ...
يقوم من مجلسه و يشد بنطاله لفوق كي لا يقع و لكنه بالكاد يمسك بخصره ، لولا البلوفر الصوف الذي يرتديه و يستخدم طرفه كحشوة للبنطال يثني طرفه ليصبح طبقتين فوق بعضهما فيمنعان البنطال من السقوط ، و لكن ذلك لم يمنع أن تنبعج تضاريس جسده و يظهر على نحو غريب يدعو للشفقة أو الهزء ، يناديه مراقب الدور ليأتي لأحد الفصول ليصلح أحد الدكاك ، يدخل الفصل و لكنه بحركة عفوية يعدل من حشوة بنطاله و هو يسأل المدرس عن الدكة المكسورة ، فتنفجر الضحكات في الفصل كأنها طوفان لا يرحم ، و لكنه نظر إليهن بإبتسامة يرى فيهن بناته اللاتي كانوا ليدعونه أبانا لو تزوج منذ عمر طويل ، فتهدأ سريرته و يتحرك في هدوء نحو الدكة و يبدأ في إصلاحها ، و لكن إحداهن تصر على السخرية منه ، و تقول (( أعدل بنطالك يا عمدة )) ينظر لها في نظرة إستغاثة الستر كي تتوقف عن السخرية ، فتقول
(( لماذا تنظر إليّ هكذا ؟! )) و تبدأ في الصراخ (( متحرش )) و تنهال الطالبات عليه بالضرب بلا سبب ، يخرج بعد دقائق من الفصل مشرح الوجه و منسل الثياب ، و يبكي ، يجلس على الأرض في ساحة المدرسة ، و يضغط على رأسه براحتيه و يبكي كالطفل المعاقب ، تمر ساعة و يأتي أحد الصحفيين للمدرسة و يبحث عن المتحرش ، ليجد عماد جالساً في مكانه لا يتحرك ، يناديه و يدعوه للوقوف أمام الكاميرا ، و يسأله عن الذي حدث و من نسل ثيابه و شرح و جهه ..
(( كلهن بناتي ، أنا مسامحهم ، لكن لن أدخل فصل فيه بنات بعد اليوم ))
يلح عليه الصحفي أن يفسر ما حدث و لكنه يمتنع عن الكلام ، و مع إصراره في الضغط عليه ليتكلم ، نطق عماد
(( عماد يحب كل الناس ، كل الناس حلوين ))
و ينكفئ على ركبتيه و يعتصر رأسه بقبضتيه و يبكي في صمت و جسمه يتهزهز ، فيتركه الصحفي و يمضي ...
ينتهي اليوم الدراسي و يختفي الجميع من ساحة المدرسة ، و تبدأ الشمس في المغيب ، يخرج أمام باب المدرسة و يستند إلى بابها الحديدي ، ينتظر حتى يسود الظلام فيداري جسده المشرح و ثيابه المنسلة ...
يسود الظلام فيتحرك نحو حجرته التي يقطن فيها ، يدخل و يخلع ثيابه المنسلة و يبقي على البلوفر ، و يذهب إلى الحوض ، يتوضأ و لا ينظر للمرآة ، يرتدي جلبابه الواسع ، و يفرش سجادة الصلاة و يبدأ في صلاته ...
يبكي مع الله أكبر فيشعر بذلته ، يبكي مع بسم الله فيشعر بنسيانه لذكر الله ، يبكي مع الحمد لله رب العلمين فيشعر بتقصيره في حمد الرب على السراء و الضراء ، يبكي مع كل آية و كل تسبيحة و كل حركة في صلاته و يصل إلى سجوده الأخير ، حيث الدعاء و التصافي و السلام ...
(( يا رب رحمتك ، و من لي سواك ، حب الناس شرحني و حبك باقي ليوم الدين ، يا رب لك شر توبة فأرزق عبادك التوبة ، و يا رب لك حب حصاد و لكل نار كراهية مطر يطفئها ، يا رب و من لي سواك ، أنا مسامح الكل فسامحهم ، أنا بحب الكل فحبهم ، أنا رامي همومي بين يديك فحاميني و ساندني و واسيني ))
...
يطرق أحدهم الباب ، فينتهي من صلاته و يقم ليفتح الباب ، ليجده صاحب المنزل
(( لو كنت عائز تعيش هنا ، فلازم تنظف السطح كل يوم ، و أنا شايف أن السطح كما هو ! ))
(( أمرك يا حاج ))
يقوم على لحم بطنه و يدلف نحو سطح البيت و يبدأ في تنظيفه من فضلات الدجاج و البط ، يبدأ باستخدام سكين المعجون ليزيل الزبل ، ثم يمسك بالمقشة و يتأكد من إزالة كل تلك الأسواخ ، ثم يأتي بخرطوم من الدور الأرضي و يصعد مرة أخرى للسطح ، و يوصله بصنبور خزان المياه ، و يبدأ في تنظيف السطح مستخدماً الماء ، ثم بالمساحة يعود السطح نظيفاً كما كان على أصله ...
ينتهي و قد أنهكه التعب ، يصعد إليه صاحب البيت من جديد و يقول له
 (( تكرر هذا العمل كل أسبوع و إلا لن يكون لك مكان في بيتي ))
(( أمرك يا حاج ))
...
يقرفص مستنداً لحائط حجرته الخارجي ناظراً نحو القمر ، و تحوطه أصوات الدجاج و البط ، و يقول ما أجمل هذا الكون ، سبحان الله .

تمــــــــــــت
                                                                                                                       بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم 

لمتابعتي على الفيسبوك 

باب النكد _ قصة قصيرة

جاراتي 
قريباتي
زميلاتي
أولادهن
حظوظ
بهجة
و ما لي أنا ؟!
أشقياء
بلا حظوظ
بلا فرحة
بلا نجاح
يلعبون في الطرقات
يتأخرون 
يسهرون
يتغيبون
سيموتون
أو يدمنون
أو يزنون
بلا حظوظ
شياطين
أين حظي
ملائكتي
زميلاتي
قريباتي
جاراتي 
أوفر حظاً 
و سرور
زوجي
فقير
عيال
حِمل 
مرض
كهل 
راتب
يختفي
نفتقر
لا سند
لا حظوظ
جحيم 
لا جنة
حرقة 
وجع 
حزن
دموع
حظوظ !
***

تجلس على الكنبة واضعة حلة فيها كوسة على حجرها ، ممسكة بإحداها و في وسط عملية التقوير تلتفت نحو الساعة على الحائط ...
(( بقينا العصر ، العيل اتأخر لحد ذا الوقت ، يكون عمل حادثة ! ، يا رب اجعل العواقب سليمة ، يا رب ))
...
تمر دقائق و تقوم إلى زوجها في حجرة النوم ، نغزته بيدها فلم يفق فرجرجت جسمه ...
(( خير يا بدرية ؟! ))
(( ابنك محمود ))
(( عمل إيه ؟! ))
(( لم يرجع من المدرسة ))
(( لا تقلقي ، سيرجع ))
(( يا سيد ، كان زمانه رجع من ساعتين ))
(( استهدي بالله ، سيرجع ))
...
تمر دقائق و يطرق أحدهم الباب ، تهرع بدرية مسرعة نحو الباب و تفتحه ، لتجده ابنها ...
(( أين كنت يا غبي ؟! ))
تمسكه من أذنه و تشده منها ، تستوقفها قولة زوجها سيد (( أتركيه يا بدرية ))
...
تندب حظها العثر ، و تحسد الجارات و القريبات و الزميلات ، أولادهن ناجحون في المدارس ، و دائماً يتحاكون بتفوقهم و أخلاقهم ، الولد منهم عندما يأتي إلى العمل ينكب على يد أمه يقبلها و يحمل لها أكياس الخضار ، و يساعدها في عملها لو مرضت ، يستيقظون صباحاً و ينزلون ليقفوا في طابور العيش و لا يتأففون ...
أما أنا ما لي غير حظي العسر ، أستيقظ الفجر لأحضر الإفطار ، و أنزل لأقف في الطابور و أسلم بطلوع الروح من هؤلاء النسوة المتبطلات و المتبجحات ، و أعود حاملة الخبز الساخن على ذراعي ، لأجهز الشاي من أجل سيد و أرتدي ملابسي و أنزل للعمل ، ينتهي العمل و أرجع مسرعة لأجهز الطعام و أرى أين يوجد الأولاد ...
...
(( محمود يزوغ من المدرسة و يذهب للعب الكرة كل يوم و أنت تشجعه بسكوتك ))
(( محمود ولد يا محمود ))
(( نعم يا بابا ))
(( صحيح إنك تزوغ كل يوم من المدرسة ؟! ))
(( أصل ، أصل .... ))
(( آخرة مرة أسمع أنك زوغت من المدرسة ، روح اعمل الواجب ))
...
تنظر بدرية لزوجها شذراً
(( هكذا فقط ! ))
(( أعمل إيه ؟!  ))
(( اضربه ، زعق له ))
(( أنا عندي صداع يا بدرية ، روحي اعملي شاي ))
...
تقوم و تلطم على وجهها مبرطمة (( يا ميلة نصيبك يا بدرية ))
...
صوت كوب ينكسر قادم من المطبخ ، تجري نحو المطبخ
(( أنت عملت إيه يا سعيد ؟! ))
(( أشرب كوب ماء ))
(( أترك الكوب المكسور و أخرج من هنا ))
...
محمود يهرب من المدرسة و يلعب كرة ، قد يكون يشرب سجائر أو يشاهد أفلام جنسية ، أو يقوم أحد باستغلاله في السرقة أو أي شيء سيء ، حظي السيء ، أم مروان ... ابنها أراد أن يرد لها جميل تربيته و نجاحه في حياته فقدم لها في قرعة الحج و غداً ستسافر ، أما أنا حظي العكر فيه محمود و سعيد ، أشقياء ، لا يعرفون مصلحتهم ، و سيد .. مهمل و كأني أمهم و أبوهم ، أنى لي وقت لكل هذا ...
(( محمود و سعيد ))
لم يرد أحد
(( أنت يا عيل أنت و هو ))
لم يرد أحد
تمسك بالشبشب و تنطلق نحو حجرتهما
(( الصلاة ، قم صل أنت و هو  ))
محمود يدعي النوم و سعيد قام مماطلاً نحو الحمام ، تكشف الغطاء عن محمود ، و تضربه بالشبشب
(( الصلاة يا غبي ، ستدخل النار ))
يقفز مفزوعاً و يجري أمامها في الشقة حتى وصل أمام الحمام
(( كل يوم تضربيني ! أنا إنسان ، لازم تحترميني ))
(( آه يا غبي )) و تضربه بالشبشب حتى انقطع على ذراعه
تصرخ و تتركه و تعود لتجلس على الكنبة ، تبدأ في البكاء ، تبكي بلا توقف ، تندب حظها ، لا فائدة ، أنا المرأة الأسود حظاً في هذ العالم ...
 تنظر لباب الحمام ، ما يزال محمود منتظراً خروج سعيد
تقم مسرعة نحو باب الحمام و تطرقه بعنف (( يا معفن خلص ))
...
ترتدي عباءة الصلاة و تبدأ في الصلاة ، تصل للسجود و تستسلم للبكاء ، يا رب رحمتك يا رب بدل حظي ، تنتهي من الصلاة ..
(( الصلاة يا جزم ))
تهرع إلى زوجها
(( أولادك لا يصلون يا سيد ، يضيعون ، أقتل نفسي يا ناس ! ))
(( استهدي بالله يا بدرية ))
(( أنا عندي صداع و لا أقدر على الوقوف ))
(( قلت لكِ مائة مرة ... استهدي بالله يا بدرية ))
(( أم حسن ابنها دخل كلية طب و أم سامي ابنها تزوج الأسبوع الماضي و سلوى بنت مدام زكية طلعت الأولى على مدرستها و أنا حظي الأسود ، عيلين أسوأ من بعض ))
(( استهدي بالله يا بدرية ))
...
تلف رأسها بإيشارب و تربطه بقوة ، و تخرج للصالة
(( واجب المدرسة يا عيل أنت و هو ))
تمسك بكتاب كان على السفرة ، تتصفحه
(( خطك معفن يا محمود ، هات الشبشب و أنت آتٍ ))
ابن سيدة بائعة الخضار ، ترك المدرسة و عمل خطاط ، و ابني يكتب نبش فراخ !
...
يأتيها صوت سيد من داخل الحجرة
(( استهدي بالله يا بدرية ))
(( أنت لا حاسس بأي شيء و لا حامل هم العيال ))
يا ميلة حظك يا بدرية ، يا حظك الأسود يا بدرية ، يا دنيا سودة يا بدرية


تمـــــــــــــــت
                                                                                                                      بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم

لمتابعتي على الفيسبوك

باب الدناوة _ قصة قصيرة


من يستحق الراحة سواي 
كل له أب يدللـه 
أم تدخر له 
تدعو له 
و عن شر القدر تبعده
أما أنا 
من لي سواي
أنا سندي
مجدي
سعدي
فرحي
فخري
و سر بقائي الوحيد
أدفع عني 
أطلب لي
أبخل لي
أستمتع وحدي
أبتهج و أرقص
رقصتي ناعمة
هادئة 
بلا صخب 
بلا حسد
الحسد هو أنا 
و البخل هو أنا 
و الخسة هي أنا
دناوتي سر بقائي
حياتي هي الوحيدة
حياتي و لا حياة بعدي

***


صديقي سالم هو الأكثر حظاً في هذا العالم ، إن حبيبته جميلة كحيلة العينين و موردة الوجنتين ، منمنمة الأنف و الفم ، صدرها المنتفخ و جسدها الأبيض ، صوتها الناعم الرقيق كتغريد العصافير حيناً و صدح فيروز الملائكي ، لو أتتني الفرصة كي أتزوجها فلن أتخاذل حتى لو كان في ذلك خسارة سالم نفسه ، حتى لو تهدمت حياته و رأيت أن نجاته الوحيدة هي بزواجه منها ، لن أتردد فماذا سأستفيد لو أن ذلك الجسد ليس ملكاً لي ، طالما يشكو لي عن اضطراب علاقتهما ، ربما علي أن أثير بعض القلقلة في تلك العلاقة فتنتهي ، لن يشك في لأنني في نطاق خارج عن الشك و محصن بالثقة ، سأظل على الوفاء معه حتى يبرك على الأرض عندها سأتصيد حبيبته هنيئة مريئة ، أعلم ما ينقصها و أعلم أني أملكه ،
ربما علي أن أبدأ بالبحث عن رقمها و أرسل لها رسالة أن سالم يحب غيرها ثلاثة أخريات ، فهو قد أحب ثلاثة غيرها ،
هذه لا تعتبر كذبة ، أو ربما كذبة صغيرة لا تحتسب ، ربما علي أن أراسلها و أخبرها أنها تثقل حياته ، و أن حياته لا تتحمل كل هذا الضغط ، ستقلل من كلامها معه ، ستحادثني ، سأنتهز الفرصة ، سأقترب و تقترب ، سيبرك صديقي ، و سأفوز بها ، تلك الفائرة الجسد بين يدي ، ألتهم ثدييها بلا رحمة و أنهل كل ما كان سيلتهمه سالم من أنوثتها ، إن ذلك فوزان لا فوز واحد ، فلقد حرمت أحدهم و فزت بحبيبته و جعلتها حبيبتي و أقتطعت حياته و فزت بأحلامه ، أنا و لا أحد غيري يستحقها ، فقد قالت لي أبي ذات مرة ، كن جشعاً لا تتوقف عند حد معين ، خذ كل ما تريد من هذه الدنيا و لا يردعك شيء ، فلن يأتي أحد ليهبك ما تريد بين يديك عن طيب خاطر ، قاتل و اقتطع و حاذر و تربص و اهجم و اقتنص ، أمي كذلك كانت تنصحني دون كلام ، كانت تقتطع من مصروف البيت و تشتري به ذهباً ، تتزين به و تدخره فربما يطلقها أبي أو يموت فلا تجد لها سند ، رغم أنها كانت تجعلنا نأكل القليل من اللحم كي تشتري الذهب ، إلا أنها كانت على حق ، و أنا هنا لا أفعل شيء سوى تطبيق نصيحة أبوي ...
تمر سنة و يتحقق له ما أراد ، برك صاحبه و فاز هو بحبيبته .
....
تمر عشرة أعوام ، و يدعوه أحد أصدقائه إلى فرح ، يصحب معه زوجته و ابنه الصغير ، كانت هناك وجبات توزع في علب بلاستيكية ، كانت العلبة تحوي الكثير على أحدهم ، نظر إلى ابنه و قال لا تفتح علبتك و احمل علبتك و علبة أمك ،
ينظر إلى النادل و يقول له " لم تحضر مياه غازية بعد " ، ينظر له النادل في دهشة ، فهو يتذكر جيداً أنه قد أنزل ثلاثة على تلك المنضدة ، و لكنه لا يملك أن يعترض ، يذهب و يحضر ثلاثة آخرين ، ينظر لزوجته و يقول " أغلقي حقيبتك جيداً حتى لا يرى أحد الثلاثة عبوات " ، يرى أنه قد حان وقت الرحيل ، و تناسى أمر النقطة ، و مضوا في صمت .
....
تموت أمه و لم يبق سوى أبيه ، لم يعد يزوره ، و لم يعد يرى فائدة من زيارته ، فهو لم يعد يعطيه المال ، و لم يساعده منذ زواجه بأي شيء ، و لكنه يفكر حالياً في الحجر على أملاك والده و إيداعه أحد دور المسنين ، فهو قد بدأ ينسى الأشياء و ينزل إلى الشارع و يمشي فيه و ينسى أين هو و أين منزله ، لولا أن أهل القرية يعرفونه جيداً لضاع بغير رجعة ، يرسل إلى أحد الدور لتجهز له مكان ، ذلك الدار تابع لجمعية خيرية تقوم برعاية المسنين بدون مقابل ، فهو من المؤكد لن يضيع أمواله على أبيه ، يصحبه بالسيارة و يسجله في الدار و يمضي ، يدخل بيت أبيه ، يجلس على مكتبه ، يقلب أوراقه و يتصفحها ، يبحث عن دفتر الشيكات ، أرقام الحسابات في البنوك ، يدرك أن خيراً وفيراً يقترب أن يكون بحوزته ، ربما ستضحك له الدنيا أخيراً .
....
ذات يوم كان جالس في مكتبه ، فإذا به يسمع صوت قادم من التلفاز (( ضيف الحلقة اليوم أ\ سالم المهدي ))
ينتفض من جلسته و يهرع نحو الصالة ، ليجد زوجته تشاهد الحلقة ، يجلس معها و يحاول التصرف بعدم اكتراث
و يقول (( سالم ، ينام كل يوم مع واحدة شكل ، لم يصل لهذا إلا بالنصب و الإحتيال ))
ثم يمسك بالريموت و يغير القناة ، لم ينتظر رد فعل زوجته ، فهي لا تملك حجة و ستصدقه ، فبينهم عشر سنوات من الحياة ، و كومة لحم تغط في النوم في الحجرة الصغيرة .
....
يزور المحافظ المؤسسة التي يعمل بها ، يعلم أنه يجب أن ينتهز تلك الفرصة ليتم ترقيته ، يبدأ في استقبال المحافظ و يعطيه باقة من الورد ، ثم قصيدة مدح طبعها و عدلها من أحد المواقع على الإنترنت
نورك طاغي على نور الشمس
طلتك طلة نبي
فيك الأماني تبدأ
عمرك باقي طويل
أنت الخير لابن السبيل
أنت المجد
محافظتنا بين يديك عروس
و أنت العريس
جيلنا سعيد
لأن محافظنا محمود بيك السعيد
....
لم تنجح تلك المحاولة في ترقيته ولكنه حاز مكافئة و بعض الخدمات من المحافظ في خلال فترته ، يجلس مع ابنه ذات يوم و يقول (( لن يعطيك أحدهم ما تريد ، فاذهب و نله و لكن إياك و أن تكن خسيساً معي فسوف أقتلك ، اذهب ))

تمـــــــــــــــــــــــــــــــــــت
                                                                                                                     بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم

لمتابعتي على الفيسبوك