السبت، 8 فبراير 2014

ضربة على الرأس _ قصة قصيرة



"ملحوظة " كسلت أعمل نسخة عامية 

ضربة على الرأس 
ضربة بين قدميه 
صفعة على وجهه الذي لم يمسه أحد منذ وفاة أبيه 
صفعة على قفاه الذي لم يمسه أحد قبل اليوم 
...
" إجري يا محسن ، يظهر أن هذا الرجل من المنطقة "
" يا أولاد الكلاب ... أستاذ ماضي ... أستاذ ماضي " 
صفعة على وجهه لا تفي بإيقاظه ... صفعة أخرى اهتزت لها رموش جفنيه ... صفعة ثالثة أظهرت بياض عينيه 
" أستاذ ماضي ... أنت بخير ؟ ماذا حدث ؟ سرقوك ؟ "
" الورقة ... الورقة " 
كورقة منسية على الأرض ظهر أستاذ ماضي ، ملطخ وجهه بدم رأسه الذي لا يتوقف ، يقف فوق رأسه محمود سنان السكاكين ، يشير ماضي إلى جيب المعطف ، فينكفئ عليه محمود مفتشاً في جيب معطفه عن الورقة .
" تقصد تلك الورقة يا أستاذ ماضي ؟ " 
" لا تقرأها " 
" أنا أمُيِ يا أستاذ ماضي ، لا أعلم زيد من عبيد " 
" لا يمنع ... لا تفتح الورقة " 
...
" غريبة ! تأخر على غير العادة ... اجعل العواقب سليمة يا رب " 
" مساء الخير يا ست تفيدة " 
" مساء الخير يا حميدة " 
" أخبارك ؟ " 
" نحمده و نشكر فضله . و أنتِ ؟ "
" بخير" 
" عندك وقت نقعد و نشرب شاي ؟ "
" منتظرة أستاذ ماضي "
تبتسم لها حميدة بنظرة خبيثة و تعض على شفتيها 
حميدة " أستاذ ماضي "
تفيدة " ما به ؟! " 
حميدة " وصل ، على أول الشارع " 
دلفت تفيدة لشفتها و أغلقت الشرفة و تركت حميدة دون سلام 
" حِكَم !!! " 
حميدة " نورت يا أستاذ ماضي " 
ماضي " نورك يا ست حميدة " 
حميدة ضاحكة ضحكة مفعمة بالأنوثة " و النبي أنت منور " 
حميدة " سلامة رأسك ، ماذا حدث ؟ "
ماضي " لا شيء ، حادثة " 
حميدة " ألف سلامة ، عندي قطن و شاش ، سأحضرهم لك "
ماضي " لا لزوم لذلك ، أنا بخير ... شكراً على تعبك " 
حميدة " تعب ! هو أستاذ ماضي واحد فقط لا غير " 
تنتفخ أوداجه و يحمر وجهه و يجري لداخل البيت 
يعلم أنه مقدم على موقف صعب ، سينتهي من تفيدة بورقة واحدة و يفوز بما تبقى من حياته في أحضان زوجته ، أخيراً أصابت الوصفة و حبلت منه ، عشرة أعوام من الصبر ، و خمس من الكذب و الخيانة ، و حان وقت الشكر ، وما شيء يبرئه من ذنبه غير تلك الورقة ، قد تقتله تفيدة ، و قد تموت تفيدة من الصدمة أو تنتحر ، لا يهم ، الأهم أن اسمه سيحمله طفله من بعده ، حتى لو بنت ، فبعد القحط أي غيث لا يضير ، يتلوا المعوذتين و يستعيذ بالحي القيوم أن يستره و أن يبعد همزات الشياطين عنه في تلك اللحظة إلى يوم الدين .
...
تفيدة تدور في الحجرة ، تمسح كرسي ، تكنس سجادة ، تمسح نفس الكرسي ، تكنس نفس السجادة ، تعيد كي جلبابه المكوي ، تسخن الطعام الدافئ حتى لا يبرد ، تضع أحمر الشفاه و تعيد رسم حاجبيها و تتعطر بشذى الفل ، تتذكر بخور الصنوبر الذي يحبه ، تجري فتشعله عوداً في كل حجرة ، صوت خطواته يرتفع ، قهقهته المعتادة حين يقترب من الباب ، صوت مفاتيحه باحثاً عن مفتاح سعادته ، يفتح جنته الخاصة ، حيث الإنتشاء ، تتوقف عن كل شيء و تعدو نحوه ، تنسى كل أحزانها و تترك للضحكة طريقاً جلياً لا يخطيء ... على غير عادته لم يقبل رأسها و لم يناديها توت توت 
سلام بلا أحضان ، صدمتها الضمادة على رأسه ، أمسكت بيديه ، أسندته حتى الفراش .
ترقرقت الدمعات ، بدأ النحيب 
" لماذا تبكين ؟! " 
" أتسأل سيدة لا أحد لديها غيرك في الدنيا . لماذا تبكين ؟! "
" سليمة .. لم أمت " 
" ربنا يبعد الشر عنك " 
...
حائر بين الخلاص و الإشفاق ، هناك حاجز غير مرئي يمنعه ، تلك الطاقة التي تعترف بالحب ، كأنها تقذفه بكل ما تحمل جعبتها من ورود خالصة ندية ، دموعها التي ملأت وجهها ، نظرة الحنو التي تحيطه ، نظرة العشق التي تلتهمه ..
" أجهز لك الحمام ؟ "
" لا ، أحتاج الراحة "
" أجهز لك الأكل ؟ "
" جهزيه "
...
أستاذ ماضي . ظهر فأصبح ماضي . حفر نفسه في ذاكرة تفيدة . مخلصاً إياها من الهم و الشماتة و الأسى ، تفيدة اليتيمة الوحيدة العانس الفقيرة أيضاً ، بكل شجاعة تحملت تلك الكلمات ، و لكن الشجاعة لا تكفي العوام وسط المحيط ، لا بد للصبر أن ينفذ ولا بد للحزن أن يسود و لا بد للعمر أن ينقضي ، في حياتها كان ترقب عمرها الذي ينفذ ، شعر رأسها الذي تتخلله شعيرات بيضاء على مهل ، تتذكر الأولى و الثانية و الثالثة و الأخيرة ، قسمات وجهها ذو ملمس الخوخ قديماً و خرقة قديمة حديثاً ، وجهها المشرق قديماً و وجهها المشرق بالبودرة البيضاء ، أسنانها البيضاء و ابتسامتها الناقصة بظلمة فراغ أسنانها المخلوعة ، تلعن الفقر كل يوم و تلعن وجودها كل لحظة ، حتى جاء على غير قصد ، كإشراقة شمس لم تشرق من قبل ، كنبي هدى الكون تسبيحاً و لم يقاوم سحر كلماته إنس و لا جان ، وقعت في محرابه ، هربت إلى قدسيته العصماء ، و ما كان لديها خيار ، سوى الخيار الأوحد ، أن تستجيب لفحولته و تذيب جبال الأسى التي لازمتها حياتها ، تشعر كأنها ولدت بين يديه ، تنسى في قربه كل شيء إلا دفء أحضانه ، تهيم عشقاً في لحظاتها معه طوال الأسبوع حتى يطل عليها في يوم عيدها ، يوم السبت فلا تدري زوجته و لا يدري أحد بزواجهما ، سوى حميدة التي دست أنفها فما كان منها إلا أن تريها ورقة الزواج ، فشر الفضيحة ما كان ينقصها ، تلك السيدة التي حاولت أن تغويه و لكنه اختار تفيدة ، المطلقات أكثر حظاً من العوانس ، طالما رددتها تفيدة حتى قابلت ماضي فاندثرت مقولتها بين الذكريات المطوية ...
...
جهزت الطعام و انتظرت حتى جلس على كرسيه ثم جلست ، دست طبقه بالطعام ، لا يهم إن لم يأكله كله و لكن الأهم أن يدرك أنها تحبه أكثر من نفسها ، لو فكر للحظة و قارن بين طبقها و طبقه ، اليوم هي في أقصى حالاتها حرماناً منه ، فهو لم يزرها الأسبوع الفائت ، تعود إلى المطبخ ، تغسل يديها ، تفك أزرار فستانها ، تكشف عن مطلع نهديها ، تكشف عن كتفيها ، ترطب شفتيها بأحمر الشفاه مرة أخرى ، ثم تعود إليه ، تجلس على الكرسي ، تستند بجسدها على المنضدة ، تستعرض بقايا أنوثتها ، تتأمل فيه و هو يأكل ، و يتحاشى النظر إلى عينيها ، تداعبه فيمتنع ، تحدثه فيتحجج بالتعب ، ينتهي من طعامه و يذهب إلى حجرته في نية خالصة أن يرتدي ملابسه التي أتى بها و يترك لها الورقة ثم يمضي ، دخلت عليه الحجرة حاملة عصير الليمون الذي يحب ، فارتوى ، أغلقت باب الحجرة و هو يقرأ تلك الورقة ، هو يعلم أنها لا تقرأ ، تسأله عن الورقة فلا يرد ، تعاود سؤاله فيمتنع عن الرد ، شاخص البصر و مجمد الجسد ، كأنه يبحث عن شيء تائه في سطورها ، تركته مشغولاً بفك رموز ورقته ، تعرت و لفت خصرها البض بمنديل مذهب ، تعلم أنه يحب أن ترقص له عارية ، تقترب منه و تجذب منه الورقة و تقتل فيه كل ماضيها و تلتهمه بعشقها و صبابتها التي غالبتها طوال أسبوعين مضيا ، لم يقاوم و استسلم ، بل استسلم حتى الإنتشاء ، أمسك بجسدها كأنه المحروم منها ، كأنه لم يمسها من قبل و طالما أرادها ، قتل فيها أساه و قتلت فيه الأسى ، خلى العشق بينهما و بين الحزن لليلة أخرى ، أرهقهما الحب فذابا في نوم المحبين ...
استيقظ في الصباح ، ارتدى ملابسه ، قبلها ، ثم مضى 
...
استيقظت بعده ، تبحث عنه كعادتها في كل أسبوع منذ خمسة أعوام ، عله يمنحها يوم آخر من السعادة ، عله يستجيب لجسدها العاري المشتاق ، و دوماً لا تعثر عليه ، و تعود إلى فراشها بخيبة الأمل ، طال الرجى و ما نالت و ما امتنعت ،
تعثر على الورقة بين ثنايا الأغطية ، تتركها على المنضدة ، حائرة بين الإنتظار أسبوع آخر فتسأل ماضي عما تحتويه أو تسأل حميدة عنها فهي تقرأ لها دوماً ما تحتويه أوراقها ، تمتنع فقط خشية غضب زوجها فآثرت الإنتظار .
...
يفتش في جيبه عن الورقة فلا يجدها 
تختلجه الحيرة ، أيمضي بذنبه أم يعود لها و يقطع الورقة و كأن شيئاً لم يكن ! 
كان الهروب سبيله الأيسر ، فغاب عنها أسبوع و أثنين و ثلاثة و أربعة ، تذبل و تذبل روحها 
تتذكر الورقة ، تنادي على حميدة كي تقرأ عليها ما فيها ، تأتي لها بعد طول انتظار كعادتها ، تنظر للورقة قليلاً ثم تقول 
" إنها ورقة طلاقك " 
" طلاق السيد ماضي محمود السعيد من السيدة تفيدة أحمد الخليل "
تفيدة " ورقة طلاقي ؟! " 
حميدة " الرجل الناقص "
تحتضنها و تعزيها ببعض الكلمات المعتادة ، و كأنها ترحب بها كعضوة جديدة في قطاع المطلقات ، و الأخرى لا تدري ماذا يمكنها أن تفعل مع الماضي الذي قد عاد بصبغة جديدة لم يتغير فيها سوى كلمة عانس ! 
تبكي على ماضي الذي مضى و التي لا تعلم سبب غير أنها منحته كل ما تستطيع راضية غير آبية و كأن الماضي لا يموت .

بقلم أنس القلّا
للمتابعة على الفيسبوك