السبت، 12 أكتوبر 2013

باب التبلُّد _ قصة قصيرة




يصبو الجميع للكمال 
العجلة من الأمر
مصوغة للحمّال
أما لي فشيء محال
البيض سيفقس في موعده
و ستطير الحمامات بعد البلوغ
لن يفوتني أي قطار
فبحر حياتي أمواجه راكدة
يمر العمر رويداً رويداً 
فلم السباق 
لا تكدروا وجودي 
لا تغضبوا 
لا تصيحوا 
لا تثيروا أمواج بحري
فبحري قابع يريد السلام
أما التعجل رفضه الغلام
فمتى يكون المرح
ومتى يكون السلام 
أريد رضاكم
أريد الثقة 
و لكن سبي أمر عظيم
و لن يفيد الضجر 
هذا أنا 
و ما غيري يجول
هذا أنا
بحري ساكن الأصول
هذا أنا 
لا عجلة عندي 
إنما فقط السكون 


***


(( جدك تعبان و راقد في سريره منذ أسبوع ))
هكذا قالت له أمه و لكن لم ترتسم على وجهه أي تعابير تغير من قسمات وجهه و تعبر عن رد فعله على هذا الخبر !
(( المفروض تروح تزوره ))
(( ربنا يسهل ))
...
ثم تتركه و تمضي ، يعاود النظر في شاشة كمبيوتره المحمول و يضع السماعة على أذنيه و يندمج في عالمه الخاص من جديد ، تدق طبول الأغاني في أذنه ، و يفكر ، ما السبب الذي يجعله يرفض الذهاب إلى جده طوال شهور ، لا يدري و لكنه يعلم أن هناك سبب قوي ، ليس بسيط كأن يقول (( لا مزاج يسمح بالزيارة )) لكنها إجابة معقدة ، إجابة تختلط فيها الذكريات مع بعض المنطق مع بعض الفلسفة الخاصة به وحده ، يأتي على خاطره أن عيادة المرضى ذو فضل عظيم في الإسلام و لكن ما الذي يجبره على أن يفعل ؟! إن جده كهل و آخر مرة رآه فيها كان قد انكمش لنصف حجمه ، كأن شبح ما امتص نفس جسده و تركه على هذا الحال ، حتى حركته أصبحت بطيئة ، و كلماته أبطأ ، لكنه ليس أسوأ حالاً من جدي الذي توفى منذ سنوات ، لقد رأيته بعنييّ يدرك أنه يركض نحو الموت و لا يزيده ذلك سوى إيماناً ، يصر على الوضوء و الصلاة رغم أن جسده لا يتحمل بروة المياه و لا الركوع و السجود ، ومع ذلك يصلي رافضاً الجلوس ، لم أستطع أن أساعده ، فارقني و انتقل إلى العدم ، لم تستطع شفقتي أن تخفف عنه و لم تستطع دموعي أن تزيد عمره أو تقتل الخلايا السرطانية في جسده ، فماذا تفيد عيادة المرضى و هي لا تزيدهم سوى الحاجة إلى تصنع الإنتباه للزوار و مراجعة نظافة الثياب و محاولة التحكم في الأمعاء كي لا يخرج الفساء في وجودهم ، يحاول ألا يكح أو يتأوه ، يحاول أن يبتسم و أن يرد على كل الأسئلة ، فما فائدة أن تعود مريضاً سوى أن تزيد معاناته و ألمه ، كما أنني أرفض أن تحركني الشفقة كما أرفض أن يحركني الخوف في علاقتي مع الله ، وحده الحب هو الذي يقودني و أنا موقن أشد اليقين أن حبي لجدي قد تآكل ، حاولت أن أجد سبباً يجمعنا على حب قوي و لكن لا أجد ، أنا مجرد أيقونة يريد أن يضيفها إلى صحيفة أمجاده الفارغة ، حفيدي أصبح مشهور أو جميل أو معروف أو ناجح ، مجرد مدعاة للتفاخر بين الناس ، أتذكر جيداً حينما فشلت و لجاجه العظيم في حثي على النجاح و لومي المتكرر و خصامي له عدة مرات و خروجي عن هدوئي المعتاد لأوقفه عن هذا الصخب ، لو كنت ضعيف العقل و أشتغل عامل في أي مصنع ما كان ليرهقني بلومه و إلحاحه ، ما كان ليفكر في الحديث عني بين الآخرين و ما كنت لأكون تميمة حظه أو سعادته أو فخره ، ربما لو كنت قبيحاً ما كان ليحب أن يجالسني و يتحدث معي ، منذ سنوات أصبح الجلوس معه هو أن يوليني ظهره و يقرأ جريدته و يشاهد التلفاز و أخيراً يغرق في صفحات الإنترنت ، و كأن زيارتي التي تبلغ من العمر ساعة أو ساعتين غير  منتظرة ، علي أن أفوز منها فقط بتلك الأكواب و الأطباق التي تحشرها جدتي في بطني حشراً ، نعم فقدت صلتي به ، ذلك الرابط الذي ندعوه حب مطلق و حب صريح نعلمه و لا نصفه ، تلاشى مع كل تلك السنوات ، تلاشى كأنه لم يكن ، هذا سبب عدم زيارتي له ، هذا سبب التناسي للسؤال عنه ...
(( قوم ذاكر ))
(( حاضر ))
و لكني لن أقوم ..
تمر ساعات
(( ذاكرت ))
مممم مع تنهيدة بسيطة
(( نعم ، ذاكرت ))
(( أفق و رتب حجرتك ))
(( ربنا يسهل ))
...
(( سأذهب لفرج غداً ، ترافقني ؟ ))
(( لا ، مشغول جداً ))
(( مشغول في إيه ؟ ))
(( حاجات كثيرة ))
...
في اليوم التالي بعد منتصف الليل ، تأخرت أمه ، يفكر ربما يكون قد حدث لها شيء ، ثم تعاوده الردود ، الأفراح تتأخر عادة ، لا داعي للقلق ، ينظر للهاتف ، يمسك به ، يخرج رقم تليفونها ، ينظر لإختيار الإتصال ، يتراجع ، يغلق الهاتف و يعود لجسلته ، يغرق في شاشة كمبيوتره المحمول و يضع السماعة على أذنيه و يختفي في طبول أغانيه المفضلة ، ينتهي نحو الأفق ، و لا يفكر في شيء ...


تمــــــــــــــــــت
                                                                                                                      بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم 

لمتابعتي على الفيسبوك

باب السذاجة _ قصة قصيرة


أزرع حب
أجني حب
لكل كره
أرمي حب
الطيبة فطرة
نية حلوة
الدنيا ربيع
ورد ورد
النحل لا يلدغ
النحل يعني عسل
سليم النية
الكراهية فوق الإحتمال
دموعي تنزل لكل ضعيف
القوي محتاج الشفقة
لو حتى السكين في ظهري نفذ
لو حتى الخيانة مقصودة
معذور صاحبها
محتاج شفقة و حب
كرهه عقاب فوق الإحتمال
كرهه طلب مستحيل محال
إنتقامي عجز
و سلامة النية إنتصار
فليعم السلام
ضحكة بلهاء
سلام
ضربة هزء في الظهر
ضحكة بلهاء
في بهاء
فليعم السلام
***


(( عماد ... سلفني عشرة جنيهات ))
(( ليس معي سوى خمسة جنيهات ، تأخذهم ؟ ))
يشد ورقة الخمس جنيهات من يد عماد و يمضي ، تاركاً إياه جالساً على كرسيه في حجرة العمال في مدرسة الشهيد الثانوية بنات ، منكفئ على فخذيه سانداً ذراعيه عليهما ناظراً لراحتيه المتشققتين ، يشعر بألمهما و لكنه لا يملك أن يشتري بعض من الفازلين ليسدا تلك الشقوق التي تسيل دم في بعض الأحيان ، يعلم أن زميله لن يسدد له الخمسة جنيهات كالمرات السابقة ، فتقريباً يأخذ منه خمسين جنيهاً كل شهر و لا يسأله أن يردهم ، فقد يكون في حاجة إلى تلك النقود و لا يملك سدادها ، و الإحراج ليس من عادته ، فليأخذ ما يشاء ، فخير يحصده خير ، و حب يحصده حب ، و العوض على الله ...
يقوم من مجلسه و يشد بنطاله لفوق كي لا يقع و لكنه بالكاد يمسك بخصره ، لولا البلوفر الصوف الذي يرتديه و يستخدم طرفه كحشوة للبنطال يثني طرفه ليصبح طبقتين فوق بعضهما فيمنعان البنطال من السقوط ، و لكن ذلك لم يمنع أن تنبعج تضاريس جسده و يظهر على نحو غريب يدعو للشفقة أو الهزء ، يناديه مراقب الدور ليأتي لأحد الفصول ليصلح أحد الدكاك ، يدخل الفصل و لكنه بحركة عفوية يعدل من حشوة بنطاله و هو يسأل المدرس عن الدكة المكسورة ، فتنفجر الضحكات في الفصل كأنها طوفان لا يرحم ، و لكنه نظر إليهن بإبتسامة يرى فيهن بناته اللاتي كانوا ليدعونه أبانا لو تزوج منذ عمر طويل ، فتهدأ سريرته و يتحرك في هدوء نحو الدكة و يبدأ في إصلاحها ، و لكن إحداهن تصر على السخرية منه ، و تقول (( أعدل بنطالك يا عمدة )) ينظر لها في نظرة إستغاثة الستر كي تتوقف عن السخرية ، فتقول
(( لماذا تنظر إليّ هكذا ؟! )) و تبدأ في الصراخ (( متحرش )) و تنهال الطالبات عليه بالضرب بلا سبب ، يخرج بعد دقائق من الفصل مشرح الوجه و منسل الثياب ، و يبكي ، يجلس على الأرض في ساحة المدرسة ، و يضغط على رأسه براحتيه و يبكي كالطفل المعاقب ، تمر ساعة و يأتي أحد الصحفيين للمدرسة و يبحث عن المتحرش ، ليجد عماد جالساً في مكانه لا يتحرك ، يناديه و يدعوه للوقوف أمام الكاميرا ، و يسأله عن الذي حدث و من نسل ثيابه و شرح و جهه ..
(( كلهن بناتي ، أنا مسامحهم ، لكن لن أدخل فصل فيه بنات بعد اليوم ))
يلح عليه الصحفي أن يفسر ما حدث و لكنه يمتنع عن الكلام ، و مع إصراره في الضغط عليه ليتكلم ، نطق عماد
(( عماد يحب كل الناس ، كل الناس حلوين ))
و ينكفئ على ركبتيه و يعتصر رأسه بقبضتيه و يبكي في صمت و جسمه يتهزهز ، فيتركه الصحفي و يمضي ...
ينتهي اليوم الدراسي و يختفي الجميع من ساحة المدرسة ، و تبدأ الشمس في المغيب ، يخرج أمام باب المدرسة و يستند إلى بابها الحديدي ، ينتظر حتى يسود الظلام فيداري جسده المشرح و ثيابه المنسلة ...
يسود الظلام فيتحرك نحو حجرته التي يقطن فيها ، يدخل و يخلع ثيابه المنسلة و يبقي على البلوفر ، و يذهب إلى الحوض ، يتوضأ و لا ينظر للمرآة ، يرتدي جلبابه الواسع ، و يفرش سجادة الصلاة و يبدأ في صلاته ...
يبكي مع الله أكبر فيشعر بذلته ، يبكي مع بسم الله فيشعر بنسيانه لذكر الله ، يبكي مع الحمد لله رب العلمين فيشعر بتقصيره في حمد الرب على السراء و الضراء ، يبكي مع كل آية و كل تسبيحة و كل حركة في صلاته و يصل إلى سجوده الأخير ، حيث الدعاء و التصافي و السلام ...
(( يا رب رحمتك ، و من لي سواك ، حب الناس شرحني و حبك باقي ليوم الدين ، يا رب لك شر توبة فأرزق عبادك التوبة ، و يا رب لك حب حصاد و لكل نار كراهية مطر يطفئها ، يا رب و من لي سواك ، أنا مسامح الكل فسامحهم ، أنا بحب الكل فحبهم ، أنا رامي همومي بين يديك فحاميني و ساندني و واسيني ))
...
يطرق أحدهم الباب ، فينتهي من صلاته و يقم ليفتح الباب ، ليجده صاحب المنزل
(( لو كنت عائز تعيش هنا ، فلازم تنظف السطح كل يوم ، و أنا شايف أن السطح كما هو ! ))
(( أمرك يا حاج ))
يقوم على لحم بطنه و يدلف نحو سطح البيت و يبدأ في تنظيفه من فضلات الدجاج و البط ، يبدأ باستخدام سكين المعجون ليزيل الزبل ، ثم يمسك بالمقشة و يتأكد من إزالة كل تلك الأسواخ ، ثم يأتي بخرطوم من الدور الأرضي و يصعد مرة أخرى للسطح ، و يوصله بصنبور خزان المياه ، و يبدأ في تنظيف السطح مستخدماً الماء ، ثم بالمساحة يعود السطح نظيفاً كما كان على أصله ...
ينتهي و قد أنهكه التعب ، يصعد إليه صاحب البيت من جديد و يقول له
 (( تكرر هذا العمل كل أسبوع و إلا لن يكون لك مكان في بيتي ))
(( أمرك يا حاج ))
...
يقرفص مستنداً لحائط حجرته الخارجي ناظراً نحو القمر ، و تحوطه أصوات الدجاج و البط ، و يقول ما أجمل هذا الكون ، سبحان الله .

تمــــــــــــت
                                                                                                                       بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم 

لمتابعتي على الفيسبوك 

باب النكد _ قصة قصيرة

جاراتي 
قريباتي
زميلاتي
أولادهن
حظوظ
بهجة
و ما لي أنا ؟!
أشقياء
بلا حظوظ
بلا فرحة
بلا نجاح
يلعبون في الطرقات
يتأخرون 
يسهرون
يتغيبون
سيموتون
أو يدمنون
أو يزنون
بلا حظوظ
شياطين
أين حظي
ملائكتي
زميلاتي
قريباتي
جاراتي 
أوفر حظاً 
و سرور
زوجي
فقير
عيال
حِمل 
مرض
كهل 
راتب
يختفي
نفتقر
لا سند
لا حظوظ
جحيم 
لا جنة
حرقة 
وجع 
حزن
دموع
حظوظ !
***

تجلس على الكنبة واضعة حلة فيها كوسة على حجرها ، ممسكة بإحداها و في وسط عملية التقوير تلتفت نحو الساعة على الحائط ...
(( بقينا العصر ، العيل اتأخر لحد ذا الوقت ، يكون عمل حادثة ! ، يا رب اجعل العواقب سليمة ، يا رب ))
...
تمر دقائق و تقوم إلى زوجها في حجرة النوم ، نغزته بيدها فلم يفق فرجرجت جسمه ...
(( خير يا بدرية ؟! ))
(( ابنك محمود ))
(( عمل إيه ؟! ))
(( لم يرجع من المدرسة ))
(( لا تقلقي ، سيرجع ))
(( يا سيد ، كان زمانه رجع من ساعتين ))
(( استهدي بالله ، سيرجع ))
...
تمر دقائق و يطرق أحدهم الباب ، تهرع بدرية مسرعة نحو الباب و تفتحه ، لتجده ابنها ...
(( أين كنت يا غبي ؟! ))
تمسكه من أذنه و تشده منها ، تستوقفها قولة زوجها سيد (( أتركيه يا بدرية ))
...
تندب حظها العثر ، و تحسد الجارات و القريبات و الزميلات ، أولادهن ناجحون في المدارس ، و دائماً يتحاكون بتفوقهم و أخلاقهم ، الولد منهم عندما يأتي إلى العمل ينكب على يد أمه يقبلها و يحمل لها أكياس الخضار ، و يساعدها في عملها لو مرضت ، يستيقظون صباحاً و ينزلون ليقفوا في طابور العيش و لا يتأففون ...
أما أنا ما لي غير حظي العسر ، أستيقظ الفجر لأحضر الإفطار ، و أنزل لأقف في الطابور و أسلم بطلوع الروح من هؤلاء النسوة المتبطلات و المتبجحات ، و أعود حاملة الخبز الساخن على ذراعي ، لأجهز الشاي من أجل سيد و أرتدي ملابسي و أنزل للعمل ، ينتهي العمل و أرجع مسرعة لأجهز الطعام و أرى أين يوجد الأولاد ...
...
(( محمود يزوغ من المدرسة و يذهب للعب الكرة كل يوم و أنت تشجعه بسكوتك ))
(( محمود ولد يا محمود ))
(( نعم يا بابا ))
(( صحيح إنك تزوغ كل يوم من المدرسة ؟! ))
(( أصل ، أصل .... ))
(( آخرة مرة أسمع أنك زوغت من المدرسة ، روح اعمل الواجب ))
...
تنظر بدرية لزوجها شذراً
(( هكذا فقط ! ))
(( أعمل إيه ؟!  ))
(( اضربه ، زعق له ))
(( أنا عندي صداع يا بدرية ، روحي اعملي شاي ))
...
تقوم و تلطم على وجهها مبرطمة (( يا ميلة نصيبك يا بدرية ))
...
صوت كوب ينكسر قادم من المطبخ ، تجري نحو المطبخ
(( أنت عملت إيه يا سعيد ؟! ))
(( أشرب كوب ماء ))
(( أترك الكوب المكسور و أخرج من هنا ))
...
محمود يهرب من المدرسة و يلعب كرة ، قد يكون يشرب سجائر أو يشاهد أفلام جنسية ، أو يقوم أحد باستغلاله في السرقة أو أي شيء سيء ، حظي السيء ، أم مروان ... ابنها أراد أن يرد لها جميل تربيته و نجاحه في حياته فقدم لها في قرعة الحج و غداً ستسافر ، أما أنا حظي العكر فيه محمود و سعيد ، أشقياء ، لا يعرفون مصلحتهم ، و سيد .. مهمل و كأني أمهم و أبوهم ، أنى لي وقت لكل هذا ...
(( محمود و سعيد ))
لم يرد أحد
(( أنت يا عيل أنت و هو ))
لم يرد أحد
تمسك بالشبشب و تنطلق نحو حجرتهما
(( الصلاة ، قم صل أنت و هو  ))
محمود يدعي النوم و سعيد قام مماطلاً نحو الحمام ، تكشف الغطاء عن محمود ، و تضربه بالشبشب
(( الصلاة يا غبي ، ستدخل النار ))
يقفز مفزوعاً و يجري أمامها في الشقة حتى وصل أمام الحمام
(( كل يوم تضربيني ! أنا إنسان ، لازم تحترميني ))
(( آه يا غبي )) و تضربه بالشبشب حتى انقطع على ذراعه
تصرخ و تتركه و تعود لتجلس على الكنبة ، تبدأ في البكاء ، تبكي بلا توقف ، تندب حظها ، لا فائدة ، أنا المرأة الأسود حظاً في هذ العالم ...
 تنظر لباب الحمام ، ما يزال محمود منتظراً خروج سعيد
تقم مسرعة نحو باب الحمام و تطرقه بعنف (( يا معفن خلص ))
...
ترتدي عباءة الصلاة و تبدأ في الصلاة ، تصل للسجود و تستسلم للبكاء ، يا رب رحمتك يا رب بدل حظي ، تنتهي من الصلاة ..
(( الصلاة يا جزم ))
تهرع إلى زوجها
(( أولادك لا يصلون يا سيد ، يضيعون ، أقتل نفسي يا ناس ! ))
(( استهدي بالله يا بدرية ))
(( أنا عندي صداع و لا أقدر على الوقوف ))
(( قلت لكِ مائة مرة ... استهدي بالله يا بدرية ))
(( أم حسن ابنها دخل كلية طب و أم سامي ابنها تزوج الأسبوع الماضي و سلوى بنت مدام زكية طلعت الأولى على مدرستها و أنا حظي الأسود ، عيلين أسوأ من بعض ))
(( استهدي بالله يا بدرية ))
...
تلف رأسها بإيشارب و تربطه بقوة ، و تخرج للصالة
(( واجب المدرسة يا عيل أنت و هو ))
تمسك بكتاب كان على السفرة ، تتصفحه
(( خطك معفن يا محمود ، هات الشبشب و أنت آتٍ ))
ابن سيدة بائعة الخضار ، ترك المدرسة و عمل خطاط ، و ابني يكتب نبش فراخ !
...
يأتيها صوت سيد من داخل الحجرة
(( استهدي بالله يا بدرية ))
(( أنت لا حاسس بأي شيء و لا حامل هم العيال ))
يا ميلة حظك يا بدرية ، يا حظك الأسود يا بدرية ، يا دنيا سودة يا بدرية


تمـــــــــــــــت
                                                                                                                      بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم

لمتابعتي على الفيسبوك

باب الدناوة _ قصة قصيرة


من يستحق الراحة سواي 
كل له أب يدللـه 
أم تدخر له 
تدعو له 
و عن شر القدر تبعده
أما أنا 
من لي سواي
أنا سندي
مجدي
سعدي
فرحي
فخري
و سر بقائي الوحيد
أدفع عني 
أطلب لي
أبخل لي
أستمتع وحدي
أبتهج و أرقص
رقصتي ناعمة
هادئة 
بلا صخب 
بلا حسد
الحسد هو أنا 
و البخل هو أنا 
و الخسة هي أنا
دناوتي سر بقائي
حياتي هي الوحيدة
حياتي و لا حياة بعدي

***


صديقي سالم هو الأكثر حظاً في هذا العالم ، إن حبيبته جميلة كحيلة العينين و موردة الوجنتين ، منمنمة الأنف و الفم ، صدرها المنتفخ و جسدها الأبيض ، صوتها الناعم الرقيق كتغريد العصافير حيناً و صدح فيروز الملائكي ، لو أتتني الفرصة كي أتزوجها فلن أتخاذل حتى لو كان في ذلك خسارة سالم نفسه ، حتى لو تهدمت حياته و رأيت أن نجاته الوحيدة هي بزواجه منها ، لن أتردد فماذا سأستفيد لو أن ذلك الجسد ليس ملكاً لي ، طالما يشكو لي عن اضطراب علاقتهما ، ربما علي أن أثير بعض القلقلة في تلك العلاقة فتنتهي ، لن يشك في لأنني في نطاق خارج عن الشك و محصن بالثقة ، سأظل على الوفاء معه حتى يبرك على الأرض عندها سأتصيد حبيبته هنيئة مريئة ، أعلم ما ينقصها و أعلم أني أملكه ،
ربما علي أن أبدأ بالبحث عن رقمها و أرسل لها رسالة أن سالم يحب غيرها ثلاثة أخريات ، فهو قد أحب ثلاثة غيرها ،
هذه لا تعتبر كذبة ، أو ربما كذبة صغيرة لا تحتسب ، ربما علي أن أراسلها و أخبرها أنها تثقل حياته ، و أن حياته لا تتحمل كل هذا الضغط ، ستقلل من كلامها معه ، ستحادثني ، سأنتهز الفرصة ، سأقترب و تقترب ، سيبرك صديقي ، و سأفوز بها ، تلك الفائرة الجسد بين يدي ، ألتهم ثدييها بلا رحمة و أنهل كل ما كان سيلتهمه سالم من أنوثتها ، إن ذلك فوزان لا فوز واحد ، فلقد حرمت أحدهم و فزت بحبيبته و جعلتها حبيبتي و أقتطعت حياته و فزت بأحلامه ، أنا و لا أحد غيري يستحقها ، فقد قالت لي أبي ذات مرة ، كن جشعاً لا تتوقف عند حد معين ، خذ كل ما تريد من هذه الدنيا و لا يردعك شيء ، فلن يأتي أحد ليهبك ما تريد بين يديك عن طيب خاطر ، قاتل و اقتطع و حاذر و تربص و اهجم و اقتنص ، أمي كذلك كانت تنصحني دون كلام ، كانت تقتطع من مصروف البيت و تشتري به ذهباً ، تتزين به و تدخره فربما يطلقها أبي أو يموت فلا تجد لها سند ، رغم أنها كانت تجعلنا نأكل القليل من اللحم كي تشتري الذهب ، إلا أنها كانت على حق ، و أنا هنا لا أفعل شيء سوى تطبيق نصيحة أبوي ...
تمر سنة و يتحقق له ما أراد ، برك صاحبه و فاز هو بحبيبته .
....
تمر عشرة أعوام ، و يدعوه أحد أصدقائه إلى فرح ، يصحب معه زوجته و ابنه الصغير ، كانت هناك وجبات توزع في علب بلاستيكية ، كانت العلبة تحوي الكثير على أحدهم ، نظر إلى ابنه و قال لا تفتح علبتك و احمل علبتك و علبة أمك ،
ينظر إلى النادل و يقول له " لم تحضر مياه غازية بعد " ، ينظر له النادل في دهشة ، فهو يتذكر جيداً أنه قد أنزل ثلاثة على تلك المنضدة ، و لكنه لا يملك أن يعترض ، يذهب و يحضر ثلاثة آخرين ، ينظر لزوجته و يقول " أغلقي حقيبتك جيداً حتى لا يرى أحد الثلاثة عبوات " ، يرى أنه قد حان وقت الرحيل ، و تناسى أمر النقطة ، و مضوا في صمت .
....
تموت أمه و لم يبق سوى أبيه ، لم يعد يزوره ، و لم يعد يرى فائدة من زيارته ، فهو لم يعد يعطيه المال ، و لم يساعده منذ زواجه بأي شيء ، و لكنه يفكر حالياً في الحجر على أملاك والده و إيداعه أحد دور المسنين ، فهو قد بدأ ينسى الأشياء و ينزل إلى الشارع و يمشي فيه و ينسى أين هو و أين منزله ، لولا أن أهل القرية يعرفونه جيداً لضاع بغير رجعة ، يرسل إلى أحد الدور لتجهز له مكان ، ذلك الدار تابع لجمعية خيرية تقوم برعاية المسنين بدون مقابل ، فهو من المؤكد لن يضيع أمواله على أبيه ، يصحبه بالسيارة و يسجله في الدار و يمضي ، يدخل بيت أبيه ، يجلس على مكتبه ، يقلب أوراقه و يتصفحها ، يبحث عن دفتر الشيكات ، أرقام الحسابات في البنوك ، يدرك أن خيراً وفيراً يقترب أن يكون بحوزته ، ربما ستضحك له الدنيا أخيراً .
....
ذات يوم كان جالس في مكتبه ، فإذا به يسمع صوت قادم من التلفاز (( ضيف الحلقة اليوم أ\ سالم المهدي ))
ينتفض من جلسته و يهرع نحو الصالة ، ليجد زوجته تشاهد الحلقة ، يجلس معها و يحاول التصرف بعدم اكتراث
و يقول (( سالم ، ينام كل يوم مع واحدة شكل ، لم يصل لهذا إلا بالنصب و الإحتيال ))
ثم يمسك بالريموت و يغير القناة ، لم ينتظر رد فعل زوجته ، فهي لا تملك حجة و ستصدقه ، فبينهم عشر سنوات من الحياة ، و كومة لحم تغط في النوم في الحجرة الصغيرة .
....
يزور المحافظ المؤسسة التي يعمل بها ، يعلم أنه يجب أن ينتهز تلك الفرصة ليتم ترقيته ، يبدأ في استقبال المحافظ و يعطيه باقة من الورد ، ثم قصيدة مدح طبعها و عدلها من أحد المواقع على الإنترنت
نورك طاغي على نور الشمس
طلتك طلة نبي
فيك الأماني تبدأ
عمرك باقي طويل
أنت الخير لابن السبيل
أنت المجد
محافظتنا بين يديك عروس
و أنت العريس
جيلنا سعيد
لأن محافظنا محمود بيك السعيد
....
لم تنجح تلك المحاولة في ترقيته ولكنه حاز مكافئة و بعض الخدمات من المحافظ في خلال فترته ، يجلس مع ابنه ذات يوم و يقول (( لن يعطيك أحدهم ما تريد ، فاذهب و نله و لكن إياك و أن تكن خسيساً معي فسوف أقتلك ، اذهب ))

تمـــــــــــــــــــــــــــــــــــت
                                                                                                                     بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم

لمتابعتي على الفيسبوك

 

باب المغالاة _ قصة قصيرة

الشمس تشرق كأنها الجحيم
كلب ينبح كأنه مسعور
سيعضني ، سينهشني ، سيقتلني
أمرض ، ينخر الألم في جسدي
سأموت سأنتهي
نكتة مضحكة رائعة
سأموت من الضحك
يوم جميل كأنه الجنة
ورود و عصافير و شجر
خرير و حفيف و تغريد
أحبها كأنها معبودتي
صلاتي في محرابها لا تنتهي
حتماً سأنتهي
سأموت فيها عشقاً
سأموت سأنتهي
***


اليوم هو الجمعة ، حيث تلتقي الصحبة في مقهى زينهم ، ذلك المقهى الواقع على حافة القرية على شاطيء الترعة ، الكراسي البلاستيكية وصلت للقرية مؤخراً و انتهى عصرالكراسي الخشب و أقراص توت عنخ آمون ، كله بلاستيك ،
يجلس زمرة من الشباب مجتمعين حول منضدة عليها دومينو ، ينادي أحدهم على صبي المقهى ...
(( يا محمد ،،، اثنين معسل و واحدة خوخ بالنعناع ، و ثلاثة شاي نعناع أخضر سكره جنبه ، و واحد قهوة سكر زيادة ))
يقوم محمد بتشغيل التلفاز فيظهر أحد الأفلام على الشاشة ، يتأمله بتركيز شديد هذا الشاب الذي يجلس على المنضدة المجانبة لهم ، شاب يرتدي بنطلون جينز و فانلة عليها الكثير من الألوان المبهرجة ، تتشابك راحتيه بين ركبتيه ، و يحملق في الشاشة ، تصل إلى أسماعه من المنضدة المجاورة له كلمات معلقة على هذا الفيلم و على هذا الممثل بالذات
(( فيلم سيء و تمثيله سيء )) ... كأن تلك الكلمات قصمت عرف من الأعراف التي يؤمن بها ، عليه أن يدافع عنها بكل قوة و لم يتمالك نفسه و توجه بكرسيه ناحيتهم و قال (( إنه أروع ممثل في بلدنا ، حتى أنه يقوم بالمشاهد الخطيرة بنفسه و يخترع نكاته بنفسه و لو أن بلدنا في حال أفضل لحصل على الأوسكار بلا شك ، كما أن هذا الفيلم هو الأروع على الإطلاق ... لا شك في ذلك ... لا شك )) لم ينتظر إجابتهم بل عدل كرسيه ناحية الشاشة و شابك راحتيه و احتضنهما بين ركبتيه من جديد و عاود الحملقة ...
ينتهي الفيلم فيدفع الحساب و مضي ، رأس الحزام الضخمة تبرز فوق طرف فانلته المبهرجة بالألوان ، يمرجح ذراعيه كأنه يقطع أوصال الهواء ، يبرق في يديه اليمنى دبلتين من الفضة و ثلاثة خواتم ، يمضي وكأنه لا يهتم إلى أين يصل به الطريق ، فقط يقطع الطريق يدور في دائرة مغلقة ، يمر بالشارع مرة و اثنتين و لا يهتم ، ينظر له الناس باستغراب و لكنه لا يهتم ، فجأة يستوقف أحد المارة و يسأله عن الساعة فيجيبه أنها الحادية عشر ، يعلم أنه قد حان الوقت ليلتقي شبير في مدخل القرية ، يصل بعد دقائق لمكان اللقاء ...
مر الكثير من الوقت و لا أحد ، شعر بالتململ و جلس على الرصيف ينتظر و أسلم رأسه لشجرة منبثقة من بلاط الرصيف ، أخيراً يصل المتفق معه بعد طول انتظار ، يقترب منه و يناديه
(( عبده ))
(( شبير ، كل هذا الوقت ! أحضرت الأمانة ؟ ))
(( خذ ، و لكن عليك أن تدفع عشرين جنيهاً زيادة ))
(( تتأخر و تدفعني زيادة ! ))
(( إما أن تدفع أو آخذها و امشي ))
(( تمشي يا ابن الكلب ))
يخرج مطواة من جيبه و يهدد شبير (( هات يا ابن الكلب يا وسخ ))
يرمي له شبير بالكيس و يجري ، ينكفئ على الأرض و يحمل الكيس و يمضي إلى بيته ...
...
كان لازم أهدده ، كما أن تلك العصا هي الأهم في حياتي ، بها يمكنني أن أهدد الكلاب الضالة التي تحاوط منزلي كل يوم بداية من منتصف الليل بدلاً من إلقاء الطوب عليها ، و في المرة القادمة أول ما تتوافر لدي نقود كافية سأشتري صاعق كهربائي ، و ربما مسدس مقروط و أقتل تلك الحيوانات المزعجة ...
...
يصل إلى بيته و يفتح الكمبيوتر ، يفتح صفحة الفيسبوك و يصور نفسه مع العصا و المطواة مرتدياً نظارة الشمس ، و يرفع الصورة على صفحته الشخصية تحت اسم ( عبده البرنس )
...
يفتح قائمة الأصدقاء المقترحين ، يشاهد أجمل الفتيات الظاهرات على الشاشة ، يختار ضحية اليوم التي سيلاحقها ، يرسل لها طلب إضافة و رسالة خاصة (( أنت جميلة جداً ، ردي عليّ ))
...
تمضي ساعة و لا ترد فيرسل رسالة جديدة (( أنا أول ما رأيتك ذبت في جمالك ، يا ساحرة ، يا ملاك ، ردي ))
...
يتململ فيتناول بعض الحبوب مع كوب من الماء و يشرب سيجارة من الحشيش
...
تمضي نصف ساعة فيأتيه رد (( هههههههههههه ، أنت مضحك جداً ))
(( أنتِ جميلة عرض السما و الأرض ، قمر و الأرض بدونك ما تعيش ))
(( ههههههههههه ))
(( صورتك جميلة جداً جداً ))
(( أنت صورتك خطيرة هههههههه ))
(( طول عمري خطير ، عرفيني بنفسك ))
...
تمضي ساعة و لا رد ، شعر أنها قد أحبته من صورته ، فهو يشبه هذا الممثل الخطير ، الذي يفوز دوماً بالجميلات و النقود و السلاح و المخدرات و القوة و البطش ، خطير هو ، حتى الحزام الذي يرتديه هو هو ...
تنتابه قشعريرة مفاجئة و يبدأ في العطس بقوة ، لم يستطع التوقف عن العطس لمدة دقيقة كاملة ، شعر أن جسمه يبرد ، غطى نفسه بكل الأغطية الموجودة ، يلتحفهم التحافاً ، و لكن لا نتيجة تذكر ، يمضي في التفكير ...
...
أنا مريض ، إنها النهاية ، يبدو أن هذا المرض سيقتلني ، هل سأفقد القدرة على المشي ، هل يجب أن أتأكد و أحرك ساقي ، ماذا لو لم تتحرك ، لا لا لن أجرب ، أشعر أنني بالكاد أتنفس و قلب يرتعد داخل صدري ، جسمي يترجرج كأني كلب ينفض عن نفسه المطر ، حتماً سأموت ، حتماً ...
يقرر أخيراً أن يحرك قدميه و لكنه لم يكد يبدأ في المحاولة حتى فقد الوعي ...
يستيقظ في اليوم التالي يشعر بصداع يتملك من رأسه و يمتد وجعه حول عينيه ، بالكاد يستطيع أن ينظر لضوء الشمس ، يفتح الفيسبوك فيجد رسالة منها أرسلت منذ دقيقتين ، يرد ، يتعارفان ، يتصارحان بأشياء وهمية ، فهو يقطن في مدينة و غني و متعلم ، هي كذلك تقطن في العاصمة و متعلمة و غنية ، يطلب منها أن تفتح الكاميرا ، تتردد ، يعاود الطلب ، تتدلل ، يلح في الطلب ، تستجيب ، تكشف عن نصف نهديها و تتراقص قليلاً ، ، تتشابك راحتيه و يحتضنهما بركبتيه ، و يحملق في الشاشة ، (( أحبك )) ... (( بهذه السرعة ؟! )) ... (( أحبك جداً جداً جداً ، أنت الأروع على الإطلاق ، أنت ...... ))


تمـــــــت
                                                                                                                        بقلم \ أنس القلا 

من مجموعة باب اللوم

لمتابعتي على الفيسبوك