السبت، 12 أكتوبر 2013

باب الحقد _ قصة قصيرة



أعزي غضبي للوجود
حقد مخلوق للخلود
أنا له كالعابد للمعبود
ضيعت عمري لحظات السجود
و بت أخشى كل موجود
حاوطتني الهموم سائغة
خوفي و حطامي المهدود
عمرى تشظى و أحشائي تفجرت
ميت لا مفر
جسد على الأرض ممدود
للفناء بعد الخلود
***
يجلس مرتدياً بنطال أسود مترب يظهر منه شرابه الموبر البالي الذي يتدلي معلناً عن تهتك شدة ربطته ، يخرج الشراب من حذاء أسود ليس في حال أفضل منه ، و قيمصه الأسود يداري تلك البقعة المتراكمة التي لا يلحظها سواه و لكنه موقن أن الجميع يرونها رؤية شمس الظهيرة في كبد السماء ، وجهه المحتضن للبؤس و القنوط ، حاجبيه الخفيفان و العينين ذاتا الجفنين المتكاسلين و هالتيه المخضبان بالسواد و شفتيه المشققتين كصدوع القفار ، لوحة من البؤس احتضنها هذا الجسد الذي يجلس مع صديق له في أحد المقاهي يشاهدان أحد المباريات ، صديقه دائم الفكاهة ، يستطيع أن يوبخه فيضحك عليه الجميع ، يستطيع أن يحول أي مشهد إلى نكتة تقع لها الأجساد على الأرض ضحكاً و طرباً ، لكنه هو القليل الحظ دائماً نكاته عبارة عن محاولات بائسة تحول الضحك من النكتة إلى جعله هو النكتة التي تضحك ، انتهت المباراة و ظهر على الشاشة المذيع الذي يستضيف أحدهم و الذي يدعى " محمد حمادة " ، فينظر إلى صديقه معلقاً بعد وابل من الضحك الغير مسبب " هههه ، محمد حمادة ، أنظر إنه اسم مضحك " فينظر له صديقه متعجباً ، و لكن هذا لم يردعه " لماذا لا تضحك ، إنه من المضحك أن تجد مثل هذا الإسم فلو أن إسم الدلع لمحمد هو حمادة ، و نادت عليه أمه " أنت يا ولد يا حمادة " أو " حمادة يا حيوان " لرد عليها زوجها بالطلاق ، ثم يعاود الضحك ، لم يوقفه سوى قول صاحبه " إنها ليست بمضحكة " ،
يجلس خائب الرجى و قد فشل مسعاه لتقمص دور صاحب الفكاهة في تلك اللحظة ، و يحقد على صديقه هذا الذي يمتلك كل ما لا يجده ، يكفي أنه هو الذي سيدفع فاتورة المشروبات و يكفي أنه هو الذي سيوصله إلى المنزل بسيارته الفارهة و يكفي أن ثمن الساعة التي في يده يساوي أضعاف ثمن كل الأثمال البالية التي يرتديها ، يتملكه كثيراً الحقد على صديقه هذا و لكنه يخشى من زوال وجود هذا الصديق في حياته ، فهو الشخص الأخير المتبقي في حياته البائسة ، يخشى لو تملك منه الحقد فيصيبه بسهامه فتنتهي كل السعادات التي يبذلها له دون مقابل !
ينظر له صاحبه و يسأله " متى ستتزوج ؟ "
لا يجد إجابة للسؤال فيرد متذاكياً " عندما تتزوج أنت ! "
مع دهشة يسأله " لماذا ! "
فيجيب مفصحاً عن بعض دواخله " لأنني عندها لن أجد رفيق أمضي معه الوقت ، قاتلين تلك الوحدة "
ينظر إليه و قد ارتسم الرضا على إبتسامته " عمرك أطول من عمري "
في تلك الليلة الباردة من ليالي الشتاء ، كان عليهم الرحيل مبكراً فور انتهاء المباراة ، ودعه صديقه أمام منزله و مضى ، ليتركه في حيرة بين الصعود ككل ليلة و الإنغماس داخل تلك الأغطية الكثيرة أو السير في ذلك الهدوء الذي يتردد دبيب صمته في الظلام  يقطعه فقط صدمات الحشرات الضالة على مصابيح الأعمدة الكهربائية المتهالكة ، ردعه أحد الكلاب الضالة يظهر في عتمة الليل كالضواري فتملكه ذعر غاضب على ذلك القوي الذي طالما أرعبه ، ألقى بحجر عليه و جرى مسرعاً نحو المنزل و لم يلتفت ليرى هل فعلاً أصابه أم لا ، يخفق قلبه بقوة و تضج أنفاسه بحشرجة مكتومة ، يصل أخيراً إلى مسكنه الصغير على سطح المنزل ، يدخل و يغلق عليه الباب مؤكداً على غلق المزلاج  و المفتاح تكتين ، ثم يمسك بالمقبض و يشد الباب و يدفعه عدة مرات مؤكداً على صلابته ، يتذكر مع كل مرة يغدو إلى مسكنه الصغير ذلك اللص الذي ترك كل المدينة و كل المنازل في الحي و كل الشقق المليئة بالأجهزة و الذهب و النقود في العمارة و اختار مسكنه الصغير الذي لا يمتلك سوى سرير خشبي متهالك و طبلية و كنبة صغيرة عليها مرتبة قطنية متربة و مصفرة الفرش ، و مكوم فوقها ملابسه التي لا تزيد عن بعض الغيارات القطنية و بنطال و قميص و جلابية ، هذا اللص جعله يصب بجام حقده على كل البشر لأنهم الأوفر حظاً منه حتى في النجاة من اللصوص ، يغير ملابسه و يسلم جسده للفراش الوثير الذي اكتسب تلك الصفة من كثر ما نام فيه ، أسلم رأسه لذلك الخشب العجوز ، و تذكر سؤال صديقه "متى ستتزوج ! " ، لا يدري متى آخر مرة فكر فيها في الزواج و لكنه يدري لماذا توقف عن التفكير فيه .... الحقد ، الغضب..

تسألني لماذا لم أتزوج و متى سأتزوج ، لن أخبرك يا صديقي أنني أكثر الخلق حقداً على الآخرين ، حتى أنني أخشى حقدهم المردود إلى كرد الجميل ، فمتى سلم القاتل من القتل و متي سلم السارق من السرقة ؟! إنه دين و يجب أن يرد ،
حاولت كثيراً أن أتوقف عن الحقد و لكن إرادة السماء لا تمنحني الفرصة للتوقف ، فكيف لا أحقد و أنا أعيش وحدي كالقفر بلا مال أو عيال ، لا حسب و لا نسب ، لا وجاهة و لا جاه ، لا شيء أمتلكه على الإطلاق ، حتى لأظنني أقل حظاً من سائس الكارو ، لا لست أظن بل أنا متأكد من ذلك تأكدي من أنني أحقد على كل البشر ، لا أعلم لي أب ولا أم و لا قريب ، لا أهل لي ، أظنني لقيطاً فربما كانت أمي غانية تبيع جسدها من أجل المال و ربما كان أبي فقيراً لا يجد المال لكومة لحم جديدة في حياتي فاكتفى بإلقائي أمام الملجأ ، تخرجت منه بالكاد أعرف القراءة و الكتابة ، علمت كل شيء يمكن أن يسمح للآخرين بإهانتي ، لم استطع الزواج من أي زميلة لي في العمل ، فكيف تتطلع إحدى الفتيات إلى شخص مثلي بينما يمكنها أن تصطاد أحد الزبائن بضحكة أو لمسة أو مغازلة ، أحقد على كل الزبائن ، و خصوصاً ذلك الرجل الذي اختطف سعاد مني ، كنت على وشك تنفيذ قراري بطلبي الزواج منها ، و لكن مفاجأة بريق الدبلة الذهب في يدها بدد قراري الذي قضيت ثلاثة شهور في بنائه ! أحقد على هذا الرجل و كل رجل اختطف سيدة في هذا الكون و ترك أمثالي بلا زوجات تقاسمهم حيواتهم ، و الآن بعد مرور عشر سنوات على عملي و قد جمعت من المال ما يكفي لشراء دبلة فضة و دبلة ذهب و تنجيد المرتبة و دهان الخشب و شراء فرش جديد للكنبة و السرير ، أجد أن فردوس التي تعمل معي في نفس المحل قد تزوجت مؤخراً و زوجها اشترى لها حجرة نوم كاملة من مجاميعه بشيء و شويات ، فأفقد الأمل نهائياً في الزواج ، كما أنني لا أضمن أن أنه عندما أفوز بزوجة سواء جميلة أم لا أن يحسدني أحدهم و تنقلب حياتي من رغد إلى جحيم ، لا أحد يضمن أن يعيش في سلام في تلك الأرض ، تسألني متى سأتزوج ! سأجيبك عندما يموت الحقد و عندما يموت البشر و لربما موتي هو الأيسر بين كل تلك التخمينات ، نعم سأتزوج عندما أموت !


تمــــــــــــــــــت

                                                                                                                     بقلم \ أنس القلا

من مجموعة باب اللوم

لمتابعتي على الفيسبوك


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق